الجزائر المنهارة: سيدات تصرخن أثناء تقديم المسؤولين التهاني لرئيسهم بعد صلاة عيد الأضحى، احتجاجا على غلاء المعيشة والأجهزة الأمنية تقمعهن وتعتقلهن
عبدالقادر كتـــرة
مباشرة بعد نهاية صلاة عيد الاضحى بالجامع الكبير بالعاصمة الجزائرية والتي ترأس مراسيمها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وبعد أن تقدم الوزراء ومسؤولون لتقديم التهاني له، فجر فضاء المسجد، أصوات صراخ واحتجاجات نسوية هزت أركان الجامع، محطمة جدار الصمت والبروتوكول الصارم المفروض في قصر الشعب.
صراخ النساء في هذا المسجد الذي يعد بيت الله وملجا للعبادة والتقرب لله والذي له رمزية قدسية تذكر بالأوامر الإلهية بوجوب فرض الطاعة وتوثق للقاضي الذي لا يظلم عنده أحد ومحكمة العدالة ضد آليات القمع العسكري الجزائري وفاجأ النظام الاستبدادي وأشهد عليه “العادي والبادي، والشادي والفادي” عبر نقل البث التلفزيوني للمشهد الاستثنائي الذي عكس عمق التوتر الداخلي وهشاشة المشهد البروتوكولي المحيط بالرئيس عبد المجيد تبون.
وخلال هذا التجمع الرسمي والذي خصص لتقديم التهاني والتبريكات للرئيس بمناسبة عيد الأضحى، ارتفعت أصوات صراخ واحتجاجات نسوية هزت أركان المسجد والذي هو بمثابة محكمة إلهية، محطمة جدار الصمت والبروتوكول الصارم المفروض.
تحركت الأجهزة الأمنية الرئاسية بشكل فوري وعنيف لإسكات الحناجر الثائرة، حيث تم اعتقال النساء اللواتي صرخن واقتيادهن فوراً إلى مراكز الاحتجاز والتحقيق.
وتندرج هذه الاعتقالات السريعة ضمن سياسة تكميم الأفواه الممنهجة التي ينتهجها النظام ضد أي صوت معارض، حيث تشير التقارير الحقوقية إلى حملة قمعية واسعة طالت الناشطات الحقوقيات اللواتي شاركن في الحراك الشعبي، مثل حملات الاعتقال التي طالت نساءً في مستغانم وغيرها من الولايات.
ويرى مراقبون أن هذا السلوك الأمني يفكك ما يُعرف في الأوساط السياسية بـ “عقدة النساء وعقدة الشرعية” التي يعاني منها الرئيس تبون شخصياً.
يمتلك تبون تاريخاً طويلاً من الصراع الشخصي مع الرموز النسوية اللواتي يرفضن الانصياع لسرديته.
ويبرز هنا صدامه الشهير عندما كان وزيراً للسكن مع الإعلامية خديجة بن قنة، والذي دفعها آنذاك للرد عليه بعبارات حادة وصفت فيها أسلوبه بـ “الدناءة” والتدني في مستوى الحوار.
كما يمتد هذا العداء ليشمل مجاهدات ورموز الثورة الجزائرية مثل جميلة بوحيرد، التي تقع تحت طائلة التهميش والتشويه غير المباشر من قبل الآلة الإعلامية للنظام بسبب وقوفها الصريح مع مطالب الحراك الشعبي ورفضها مباركة شرعية الرئيس المطعون فيها.
في المقابل، يحاول النظام توظيف النساء البارزات لتلميع صورته خارجياً وإعطاء انطباع زائف بالتمكين والريادة النسوية. حيث يستغل المناسبات الرسمية لإجراء تكريمات شكلية لنساء متميزات في مجالات مختلفة لتغطية الواقع الحقوقي المتردي. غير أن صراخ النساء في وجه السلطة يفضح هذا المكياج السياسي، ويؤكد عمق الاحتقان المجتمعي؛ فالمرأة الجزائرية التي شاركت تاريخياً في الثورة المسلحة (“البارود”) ترفض اليوم أن تُسلب حريتها السياسية والمدنية تحت مسمى الاستقرار.
ويتزامن هذا التشنج الأمني تجاه الشارع والاحتجاجات النسوية مع حالة غليان وفضائح سياسية وأخلاقية تعصف بأروقة الرئاسة نفسها، مما يعري تفكك المنظومة الحاكمة.
ويعد قرار عزل الرئاسة المفاجئ للمستشار الخاص المكلف بالمديرية العامة للتشريفات، محمد بوعكاز، لارتكابه “أخطاء جسيمة ومخالفة لأخلاقيات المهنة”، مؤشراً بارزاً على صراع الأجنحة العنيف داخل النظام.
وقد كشفت تقارير وتحليلات استخباراتية مسربة عن الوجه الحقيقي لهذه الإقالة؛ حيث ارتبطت بفضيحة أخلاقية وأمنية مدوية داخل أسوار القصر الرئاسي تمثلت في علاقة غير شرعية تورط فيها المستشار الخاص مع ابنة الرئيس الصغرى. وتم استغلال هذه الفضيحة وتفاصيلها الحساسة من قبل أجهزة مخابراتية وأجنحة عسكرية منافسة داخل بنية النظام (جناح رئيس أركان الجيش السعيد شنقريحة) بهدف الضغط على تبون وإضعاف تموقعه السياسي قبيل استحقاقات الرئاسة، مما يكشف أن قصر المرادية بات ساحة لتصفية الحسابات الشخصية عبر تسريب الفضائح العائلية.
هذا التآكل الأخلاقي والهيكلي في قمة الهرم السياسي يقابله اتساع رقعة الرفض الشعبي وتجاوزه لأسوار الصالونات المغلقة إلى الفضاءات العامة.
وتعد الهتافات الجماعية المرعبة التي رددتها عشرات الآلاف من الجماهير في الملاعب الرياضية ضد الوفد الرئاسي (“يا سراقين البلاد يا اللصوص أكلتم خيرات البلاد”) محاكمة شعبية واقتصادية مباشرة للنظام، وتكشف عن رعب حقيقي أصاب الحرس الرئاسي الذي اضطر لقطع الصوت والصورة وإجلاء الرئيس على عجالة.
إن انتقال الاحتجاج من صراخ نسوي داخل القصور إلى طوفان بشري غاضب في الملاعب يعكس الهوة السحيقة بين سلطة معزولة غارقة في الفساد وصراع الأجهزة، وبين شعب يعاني من وطأة القمع والفقر.
من جهة أخرى، يركز مقطع الفيديو على فضح التناقض الصارخ بين السردية الاحتفالية الرسمية التي يسوقها قصر المرادية، وبين الواقع الإنساني والقمعي المؤلم الذي يعيشه الشارع الجزائري خلال الأعياد والمناسبات الدينية.
وتبث القنوات التلفزيونية الحكومية لقطات بروتوكولية مهيبة للرئيس عبد المجيد تبون وهو يؤدي صلاة العيد وسط حشود من المصلين في “جامع الجزائر”، ثم ينتقل إلى “قصر الشعب” ليتلقى التهاني والتبريكات الرسمية من كبار المسؤولين العسكريين والمدنيين، وعلى رأسهم رئيس الأركان السعيد شنقريحة وقائد الحرس الجمهوري بن علي بن علي. تُظهِر هذه المشاهد طقوساً احتفالية تهدف للإيحاء بالاستقرار التام والالتفاف الشعبي حول القيادة.
المشهد الحقيقي والحقوقي المدمج بالصوت والصورة مع نداءات الاستغاثة وصرخات أمهات وزوجات معتقلي الرأي، يُبرز كيف يتحول العيد في الجزائر إلى مناسبة لمضاعفة أحزان مئات العائلات التي حُرِمت من أبنائها وبناتها القابعين في السجون لأسباب سياسية، مما يحول المعايدات الرسمية البراقة إلى مادة للإدانة الأخلاقية والسياسية للنظام.
كما بفضح تسييس “العفو الرئاسي” وإقصاء الناشطين والنساء
يوقع الرئيس تبون قبيل كل عيد مراسيم عفو رئاسي للإفراج عن آلاف المحكومين في جرائم القانون العام لتسويق صورة “الرئيس الإنساني”.
غير أن هذه المشاهد تدمج بتقارير تكشف استثناء معتقلي الرأي والناشطين السياسيين والنسويين بشكل ممنهج من هذا العفو؛ حيث يُستبعدون تحت غطاء تهم فضفاضة وملفقة مثل “التآمر ضد سلطة الدولة”، “بث أخبار كاذبة”، أو “الانضمام إلى جماعات تخريبية”.
ويؤكد هذا التحليل الإعلامي أن مراسيم العفو هي مجرد مكياج سياسي، بينما يستمر التضييق الأمني والمتابعات القضائية بتهم بسيطة لا تستند إلى أدلة قانونية حقيقية لإبقاء الأصوات الحرة رهن الاعتقال.
تركز هذه الفيديوهات بشكل خاص على استمرار حبس واعتقال الناشطات والنساء بتهم تتعلق بمنشوراتهن على مواقع التواصل الاجتماعي.
خلاصة القول، يسلط الإعلام البديل الضوء على التناقض بين شعارات النظام التي تتغنى بتمكين المرأة وتكريمها ريادياً في الحفلات الرسمية، وبين واقع ممارسات الأجهزة الأمنية التي تعتقل النساء وتودعهن السجون المؤقتة دون مراعاة لظروفهن العائلية أو رمزية الأعياد الدينية. ويُصنف المحللون الحقوقيون اعتقال النساء وتشتيت عائلاتهن في هذه المناسبات كوصمة عار كبرى تفضح زيف خطابات التلميع الرسمي.
يعد هذا النمط من الفيديوهات أداة إعلامية هجومية قوية؛ إذ ينجح في نزع بريق الدعاية الرسمية ويجبر المشاهد على رؤية الجانب المظلم للقبضة الأمنية في الجزائر، محولاً مراسم بروتوكولات القصور إلى منصة حية للمطالبة بالحريات والعدالة للمعتقلين والمغيبين.

