الجزائر: ماذا لو اختارت البوليساريو استيطان مخيمات تندوف بالصحراء الشرقية، وتحققت مقولة “انقلب السحر على الساحر” و”غريزة الرُّتَيْلَاء التي تفرخ صغارها فيلتهمونها ليعيشوا”؟

الجزائر: ماذا لو اختارت البوليساريو استيطان مخيمات تندوف بالصحراء الشرقية، وتحققت مقولة “انقلب السحر على الساحر” و”غريزة الرُّتَيْلَاء التي تفرخ صغارها فيلتهمونها ليعيشوا”؟

عبدالقادر كتـــرة

بعد حلحلة وإنهاء نزاع الصحراء ماذا لو اختارت عصابة البوليساريو ومحتجزو مخيمات تندوف الاستيطان والاستقرار بالصحراء الشرقية بالقوة والحديد والنار، ورفض النظام العسكري الجزائري هذا الواقع الجديد واستعملت القوة مع مسلحي ميليشيات البوليساريو الذين خلقتهم وسلحتنم ودربتهم ومولتهم ودافعت عنهم في المحافل الدولية واشترت الضمائر لدعمهم وحذت حذوها الفيائل الانفصالية الأخرى مثل الأزواد في الجنوب والقبائل في الشمال…، ماذا لو قررت الدول الجارة والحليفة لها دعم البوليساريو والفصائل الأخرى بالسلاح والعتاد لإقامة دول في تلك المناطق وجمهورية الصحراء الشرقية، سيشرب النظام العسكري المارق والخبيث من الكأس الذي سممه للمغرب وللجيران بعدائه وعدوانيته…. وسينقلب السحر على الساحر، وستكون نهاية الجزائر مثل نهاية “الرتيلاء والعنكبوت التي فرخت عناكيب والتهموها ليعيشوا هم”؟ وستتحزأ مثل أنظمة مماثلة لها سبقتها على رأسها قدوتها ومثالها الأيديولوجي أسطورة “الاتحاد السفياتي” التي لم يبق منها إلا الإسم والذكرى….

هذا السيناريو الافتراضي يقع في قلب أدبيات العلوم السياسية والعلاقات الدولية تحت ما يُعرف بـ “مفارقة الوكيل” أو سيناريو “انقلاب السحر على الساحر”.

الاستعارة المجازية لـ “العنكبوت أو الرتيلاء” تلخص بدقة المخاطر الاستراتيجية التي تواجهها الدول عندما تصنع وتسلح جماعات من غير الدول لأغراض جيوسياسية محددة، ثم تتغير الظروف لتجد الدولة نفسها في مواجهة مباشر مع الكيان الذي خلقتْه.

إذا ما سار الواقع في اتجاه هذا السيناريو الافتراضي، يمكن تحليل التداعيات والنتائج المحتملة من خلال عدة زوايا استراتيجية:

1. تفكك المفهوم الأمني الإقليمي وإعادة رسم الخرائط

دعم دول جارة أو حليفة لتأسيس “جمهورية في الصحراء الشرقية” سيعني انهياراً كاملاً لمنظومة الحدود الموروثة عن الاستعمار في منطقة شمال إفريقيا.

هذا التحول سيؤدي إلى:

– حروب بالوكالة مضادة: ستتحول المنطقة من نزاع إقليمي كلاسيكي إلى ساحة صراع دولي مفتوح، حيث ستسعى قوى إقليمية لتصفية حسابات تاريخية واستراتيجية داخل الجغرافيا الجزائرية نفسها.

– تغيير العقيدة العسكرية: سيتعين على الجيش الجزائري إعادة توجيه جهوده بالكامل من “الهجوم الدبلوماسي والعسكري بالوكالة” إلى “الدفاع عن العمق الداخلي”، وهو تحول مكلف ومستنزف لأي نظام عسكري.

2. معضلة “السلاح المرتد”

في التاريخ السياسي، غالباً ما تقع الأنظمة التي تبنت جماعات مسلحة في فخ “الارتداد”. الجماعات المسلحة التي تكتسب خبرة قتالية عقوداً طويلة وتنظيماً هيدروليكياً داخل مخيمات مغلقة، تمتلك غريزة بقاء قوية.

إذا شعرت هذه الجماعات بأن المورد الأساسي لها (النظام الحاضن) بدأ يتخلى عنها أو يفرض عليها واقعاً لا ترتضيه، فإنها قد توجّه سلاحها إلى الداخل لضمان بقائها، مستغلةً معرفتها العميقة بالطبيعة الجغرافية والأمنية للمنطقة الحاضنة.

3. موقف القوى الدولية وأمن الطاقة العالمي

الجزائر ليست مجرد جغرافيا سياسية، بل هي لاعب أساسي في سوق الطاقة العالمي (خاصة الغاز المتجه نحو أوروبا). حدوث صراع مسلح داخلي يشمل البوليساريو على أراضٍ تصنفها الجزائر كجزء من سيادتها الوطنية سيهدد مباشرة:

– إمدادات الغاز والنفط: وهو ما لن تسمح به القوى الأوروبية (مثل فرنسا وإيطاليا) أو القوى الدولية الكبرى.

– استقرار منطقة الساحل والصحراء: أي فوضى في هذه المنطقة ستفتح الباب على مصراعيه للجماعات المتطرفة والشبكات العابرة للحدود، مما قد يدفع نحو تدخل دولي حاسم لفرض الاستقرار، حتى لو كان ذلك على حساب تغيير النظام أو فرض وصاية أمنية.

خلاصة القول، السيناريو بـ “تجرع الكأس المسمومة” يمثل تجسيداً تاريخياً متكرراً وينطبق تماما على النظام العسكري الجزائري الخبيث المارق والعدواني؛ فالأنظمة التي تعتمد على تصدير الأزمات وصناعة بؤر التوتر حول جيرانها غالباً ما تجد أن هذه البؤر قد تمددت لتصبح أزمات وجودية داخل حدودها، خصوصاً إذا تغيرت موازين القوى الدولية وقررت أطراف أخرى استخدام نفس الأدوات والأساليب لقلب الطاولة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *