نَزِيفُ الْأَسْفَلْتِ فِي الْجَزَائِرِ.: تَذْكِرَةُ ذَهَابٍ بِلَا عَوْدَةٍ فِي قِطَاعِ النَّقْلِ الْجَمَاعِيِّ…”حَافِلَاتُ الْمَوْتِ” لا تَتَوَقَّفُ عَنْ حَصْدِ الْأَرْوَاحِ…ضَمَائِرُ مُغَيَّبَةٌ وعَجَلَاتُ بلا إِطَارَاتٍ مَطَّاطِيَّةٍ وَلَا فَرَامِلَ
عبدالقادر كتـــرة
يبدو أن الاستيقاظ على أخبار الفواجع المرورية قد بات، وبكل أسف، روتيناً مأساوياً يدمي قلوب الجزائريين.
فما إن تبدأ دموع عائلات ضحايا حادث مروري في الجفاف، حتى تباغت الجميع فاجعة أخرى أشد قسوة.
صبيحة الخميس الماضي، استيقظت ولاية قسنطينة على وقع كارثة جديدة؛ حافلة لنقل العمال تنحرف عن مسارها لتستقر في عمق وادٍ ببلدية ابن زياد، مخلّفة ستة قتلى وعشرات الجرحى.
هذا الحادث المأساوي ليس معزولاً، بل يأتي بعد أيام قليلة من جرح غائر آخر تركته “فاجعة بومرداس” التي أودت بحياة العشرات. توالي هذه الكوارث، وتحديداً في قطاع النقل الجماعي، يضع السلطات الجزائرية أمام حقيقة مفزعة لم يعد ينفع معها إخفاء الرؤوس في الرمال: المسؤولون ليسوا أمام مجرد “حوادث قضاء وقدر”، بل أمام أزمة نسقية عميقة، وأرواح تُزهق نتيجة استهتار قاتل يرقى إلى مصاف الجرائم مكتملة الأركان.
وهم “القضاء والقدر” وحقيقة الاستهتار كثيراً ما يختبئ المسؤول خلف غطاء “القضاء والقدر” لامتصاص صدمة الفواجع، لكن تحقيقات الحوادث الأخيرة كشفت عن حقائق مرعبة تُسقط هذه الحجة.
عندما يقود سائق حافلته بسرعة جنونية في منعرج خطير، أو يتجاوز الحمولة المسموحة بحثاً عن ربح مادي مضاعف، أو الأخطر من ذلك – كما أثبتت التحقيقات مؤخراً – أن يجلس خلف مقود حافلة تقل عشرات الأرواح بعجلات متآكلة بل مرقعة بالخيط لانعدام وجودها في تجاهل تام للسلطات المسؤولة، فنحن هنا أمام “قتل شبه عمدي” لا يجب أن يُعامل كجنحة مرورية عادية.
مثلث الموت: السائق، المركبة، والطريق تكشف القراءة المتأنية لمسرح هذه الحوادث عن انهيار في أضلاع مثلث السلامة المرورية، تحت مسؤولية الدولة.
فمن جهة، هناك تسيب إداري وتقني يسمح لحافلات متهالكة بالاستمرار في السير، وهناك جشع من بعض أرباب العمل الذين يُجبرون السائقين على ساعات عمل مرهقة دون بديل. ومن جهة أخرى، لا يمكن إغفال واقع البنية التحتية؛ فالكثير من المنعرجات الجبلية والمنحدرات الخطيرة لا تزال تفتقر إلى حواجز واقية صلبة قادرة على استيعاب صدمات المركبات ذات الوزن الثقيل ومنع انزلاقها نحو الوديان.
فاتورة ثقيلة واستنزاف وطني
إن التكلفة التي تدفعها الجزائر اليوم تتجاوز بكثير حطام المعادن. إنها تفقد شباباً في مقتبل العمر، وعمالاً هم أرباب أسر تُترك للمجهول.
إلى جانب هذه التكلفة البشرية التي لا تُقدر بثمن، تتحمل المنظومة الصحية وصناديق الضمان الاجتماعي فاتورة اقتصادية باهظة للتكفل بآلاف الجرحى والمعاقين سنوياً، مما يجعل من حوادث المرور عائقاً حقيقياً أمام التنمية الوطنية.
الحلول الحتمية.. لا مجال لمزيد من التأجيل إن وقف هذا النزيف يتطلب إرادة صارمة تنتقل من مرحلة “التأسف” إلى مرحلة “الردع والتنظيم”:
أولاً: يجب تعديل التشريعات لتصنيف حوادث النقل الجماعي الناتجة عن تعاطي المخدرات أو الإهمال المتعمد كجنايات، وتسليط أقصى العقوبات على المتسببين فيها بمن فيهم أكبر المسؤولين ولو كانوا وزراء، ليكونوا عبرة لمن يعتبر.
ثانياً: أصبح فرض “الكرونوتاكيغراف” (جهاز تسجيل السرعة وساعات العمل) الذكي والموصول مباشرة بخوادم الأجهزة الأمنية ضرورة قصوى لا تقبل المساومة لجميع مركبات الوزن الثقيل.
ثالثاً: يجب تسريع وتيرة الاستراتيجية الوطنية لتوسيع شبكة السكك الحديدية، باعتبار القطارات البديل الحضاري والأكثر أماناً لنقل المسافرين لمسافات طويلة.
رابعا: توفير قطع الغيار وتجديد أساطيل الحافلات والشاحنات سيارات النقل العمومي والتشدد عند اافحص التقني..
في النهاية، إن الحق في التنقل يجب أن يبقى حقاً مكفولاً بالأمن والسلامة، لا أن يتحول ركوب حافلة في الجزائر إلى لعبة “روليت روسي” قد تنتهي بتذكرة ذهاب بلا عودة. لقد دقت ساعة الحزم، فأرواح الجزائريين أغلى من أن تُترك تحت رحمة عجلات الموت.

