سُورِيَا: أَحْكَامُ الْإِعْدَامِ بِحَقِّ الرَّئِيسِ الْمَخْلُوعِ الْهَارِبِ بَشَّارِ الْأَسَدِ وَرُمُوزِ النِّظَامِ السَّابِقِ، وَتَأْسِيسُ الْجُمْهُورِيَّةِ الْجَدِيدَةِ… مُحَاكَمَةُ الْمَاضِي لِضَمَانِ مُسْتَقْبَلٍ تَسُودُهُ سِيَادَةُ الْقَانُونِ
عبدالقادر كتـــرة
يشكل قرار محكمة الجنايات في دمشق بالصوت والصورة محطة فارقة في تاريخ القضاء السوري الحديث، حيث يعكس التحول السياسي والقضائي في البلاد عقب سقوط النظام السابق.
أصدرت محكمة الجنايات الرابعة بدمشق، يومه الثلاثاء 11غشت 2026، أحكاماً غيابية بالإعدام وشملت القائمة كلاً من:
– بشار حافظ الأسد: بتهم القتل العمد، والتحريض على القتل، وارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
– ماهر حافظ الأسد: بتهم القتل والقصد والتعذيب والتحريض.
– عاطف نجيب: (رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا) بتهم القتل العمد وتعديات طالت أطفالاً دون سن الـ15 والتعذيب المفضي للموت.
– قيادات أمنية وعسكرية أخرى: شملت كلاً من فهد جاسم الفريج، لؤي علي العلي، وفيق صالح ناصر، طلال فارس العيسمي، قصي إبراهيم ميهوب، ومحمد أيمن عيوش.
وأكّدت المحكمة إصدار مذكرات توقيف وملاحقة دولية للرموز الفارين، واصفةً الرئيس المخلوع بأنه “فاعل معنوي” في كل الجرائم التي ارتُكبت…
لم يكن يوم النطق بالحكم في العاصمة السورية دمشق يوماً عادياً في الذاكرة الجمعية للسوريين. فبعد سنوات طويلة من الصراع، والتهجير، والآلام التي طالت كل بيت سوري، دوّى صوت العدالة من داخل أروقة محكمة الجنايات بدمشق، معلناً طي صفحة مظلمة من تاريخ البلاد. أحكام الإعدام الغيابية التي صدرت بحق الرئيس المخلوع بشار الأسد، وشقيقه ماهر، وعدد من القيادات الأمنية والعسكرية، لم تكن مجرد إجراءات قانونية، بل كانت إعلاناً رسمياً عن ولادة عهد جديد لا مكان فيه للإفلات من العقاب.
عدالة الأرض بعد طول انتظار
شملت قائمة المدانين أسماء ارتبطت في أذهان السوريين بأبشع الانتهاكات، بدءاً من قمع الاحتجاجات السلمية في درعا على يد عاطف نجيب، وصولاً إلى أوامر القتل الممنهج والتعذيب التي أدارتها أعلى الهرم في السلطة السابقة.
هذا الحكم، وإن صدر غيابياً بحق شخصيات فرّت خارج البلاد، يمثل انتصاراً معنوياً ورمزياً لآلاف الضحايا وعائلاتهم. إنه توثيق رسمي، ومن داخل مؤسسات الدولة السورية نفسها، بحجم الجرائم التي ارتُكبت تحت غطاء “حماية الدولة”.
اختبار للمجتمع الدولي
لا تقتصر تداعيات هذه الأحكام على الداخل السوري، بل تضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمبادئه.
إصدار مذكرات توقيف دولية بحق المدانين يلقي بالكرة في ملعب الدول التي قد توفر ملاذاً آمناً لهم. هل ستتعاون هذه الدول مع “الإنتربول” وتسلم المطلوبين استجابة لنداء العدالة؟ أم أن الحسابات السياسية ستتغلب على القوانين والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان؟ الأيام القادمة ستكشف مدى جدية النظام العالمي في دعم العدالة الانتقالية في سوريا.
بناء المستقبل يبدأ بمحاسبة الماضي
قد يرى البعض أن هذه المحاكمات هي إجراء رمزي طالما أن المدانين خارج قبضة العدالة، لكن في علم بناء الأوطان، تعتبر هذه الخطوة حجر الزاوية.
لا يمكن لأي مجتمع خرج من حرب مدمرة أن يلتئم جرحه ويحقق مصالحة وطنية حقيقية دون مكاشفة ومحاسبة. الأحكام الأخيرة ترسل رسالة قاطعة: لا عودة للوراء، ولا شرعية لمن تلطخت أيديهم بدماء شعوبهم.
ختاما، إن مطرقة القاضي في دمشق لم تُنهِ فقط فصولاً من محاكمة رموز نظام سقط، بل دقت المسمار الأخير في نعش حقبة الاستبداد، معلنةً أن سوريا المستقبل تُبنى على أساس سيادة القانون، وأن صوت الشعب السوري، الذي بُحَّ لسنوات مطالبًا بالحرية والكرامة، قد تُرجم أخيراً إلى عدالة ناطقة باسمه.

