الجزائر: إدعاء النظام العسكري مشاركته في مفاوضات مدريد بصفة ملاحظ، تحججا بتخليه عن قضية الصحراء وهروبا من مسؤوليته في إشعال النزاع
عبدالقادر كتـــرة
أشرفت الولايات المتحدة وممثل عن الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة على اجتماع نظم في مقر سفارتها بمدريد يومي 8 و9 فبراير، ضمّ جميع أطراف النزاع المتمثلة في المملكة المغربية وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، لإجراء محادثات مباشرة حول تنفيذ قرار مجلس الأمن حول الصحراء الغربية المغربية في إطار الحكم الذاتي ولا غير الحكم الذاتي المقترح من طرف المغرب في إطار السيادة المغربية كاملة مكمولة.
نظام العسكر الجزائري يحاول تضليل شعبه بالتملص من مسؤوليته بصفته طرفا في النزاع ويحاول عبر إعلامه المنافق والكاذب تصوير مشاركته في هذا الاجتماع على أساس أن حضور الجزائر وموريتانيا بصفة مراقبين.
هذا يعد ادعاء كاذبا وهروبا من المسؤولية بعد فشل سياسته واندحارها في هذا النزاع، وهو الأمر الذي فنذه مسعد بولس كبير المستشارين للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أكد غير ما مرة على صفة “طرف” لجميع الأطراف المشاركة وهو ما دفعهم إلى التوقيع على وثيقة الحكم الذاتي.
الدافع وراء محاولة النظام العسكري الجزائري المارق لتضليل الرأي العام الجزائري، لأن مشاركته تعد “نكسة قوية وفشلا ذريعا وإحراجًا حقيقيًا” له أمام شعبه الذي رهن قوته اليومي ومستقبله وأمنه وسلامه وثرواته منذ أكثر من 50 سنة في نزاع مفتعل نابع من عجرفة وغرور الرئيس الجزائري المقبور هواري بوخروبة وجنرالات ثكنة بن عكنون وكهنة معبد قصر المرادية الذي وجدوا ضالتهم في طريقة نهب وسلب وسرقة خزينة الدولة الجزائرية من عائدات الغاز والبترول وإفقار الشعب الجزائري المغلوب على أمره والبقاء في السلطة.
السؤال الذي يطرح نفسه على المتابع: لماذا تتهرب الجزائر من مسؤوليتها وتصر على دور “المراقب”؟
الموقف الجزائري يبدو وكأنه محاولة للمواءمة بين أمرين متناقضين: حماية مصالحها الاستراتيجية من جهة، وتجنب ثمن الاعتراف الرسمي بأنها “طرف” في النزاع، من جهة أخرى:
1. التناقض بين الفعل والقول: الدعم الجزائري للبوليساريو هو حقيقة موثقة تاريخيًا. الواقع يعرف الصراع بوضوح ويضع الجزائر كداعم رئيسي للجبهة منذ عام 1976 . حتى الرئيس الجزائري نفسه صرح ضمنيًا بهذا الدعم عندما قال إن الجزائر “تمتنع عن تقديم السلاح للبوليساريو في الوقت الراهن” . هذا اعتراف بأن التقديم كان يحدث في الماضي. التهرب الدبلوماسي الحالي هو محاولة للفصل بين “الدعم” الذي تقدمه وكونها “طرفًا” في النزاع، وهي معادلة غير مقنعة للكثيرين.
2. تغيير التكتيك لا الاستراتيجية؟ بعض المحللين يرون أن ادعاء الجزائر بدور “المراقب” في اجتماع مدريد هو خطوة تكتيكية جديدة. فبدلاً من مواجهة الضغوط الدولية المباشرة بصفتها الطرف الرئيسي، تختار الانحناء للعاصفة وتجنب العزلة، مع الاحتفاظ بقدرتها على التأثير من الخلف عبر جبهة البوليساريو . هذا يسمح لها بالبقاء على طاولة النقاش دون تحمل العبء السياسي الكامل.
3. إحراج النظام المغربي؟ من منظور جزائري، إبقاء المغرب في موقف التفاوض مع “كيان انفصالي” هو مكسب في حد ذاته، لأنه يضفي شرعية على الجبهة كطرف. بالتالي، عدم إعلان الجزائر كطرف رسمي يُبقي التركيز على هذا “الإحراج” للمغرب ويحافظ على الصورة التي طالما روجت لها الجزائر بأنها مجرد داعم لقضية تحرر.
هل يمكن تصديق النظام الجزائري؟
النظام الجزائري متهم باستخدام هذا الملف كورقة ضغط إقليمية و”صمام أمان” لتوازنات القوى، وأنه أنفق موارد هائلة لعرقلة مسار الحل.
من هذا المنطلق، لا يمكن تصديق أي تصريح جزائري يتنصل من المسؤولية، لأن التاريخ والواقع على الأرض (وجود مخيمات اللاجئين، الدعم السياسي) يدحضانه .
من منظور العلاقات الدولية: حتى الحلفاء التقليديين للجزائر بدأوا يغيرون مواقفهم. الدعم الأوروبي المتزايد لمقترح الحكم الذاتي المغربي، ودفع الولايات المتحدة لعقد اجتماعات مباشرة، يضع الجزائر في موقف لا تحسد عليه .
المجتمع الدولي لا يصدق الخطاب الجزائري القديم، لكنه يتعامل مع الأمر الواقع الجديد: الجزائر موجودة على الطاولة (حتى كمراقب) وهي جزء من الحل، وهذا هو المهم.
هل تخلى النظام الجزائري عن البوليساريو ورضخ لمشروع ترامب؟
1. من المستبعد أن تكون الجزائر قد “تخلت” عن البوليساريو بين ليلة وضحاها. ما يحدث هو على الأرجح إعادة تموضع استراتيجي تحت ضغط أمريكي كبير.
إدارة ترامب معروفة بسياسة “الضغط الأقصى”، ومستشاره مسعد بولس لديه رؤية واضحة لحل الملف . وصف بولس للجزائر بأنها “بلد طرف” وشكره لتبون، يمكن تفسيره على أنه تأكيد للجزائر على قبولها بلعبة جديدة .
2. ورقة التوقيت: الموعد النهائي هو مايو المقبل. هذا يضع الجميع تحت ساعة رقمية. الجزائر قد تكون قبلت بـ “دور الطرف” لكسب الوقت، ولترى ما يمكن تقديمه للبوليساريو في هذه اللجنة التقنية، ولتجنب صدام مباشر مع واشنطن .
3. مستقبل البوليساريو: إذا تمت التسوية فعلاً على أساس الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، فسيكون مصير الجبهة كممثل سياسي مجهول وهو التحدي الأكبر. موقف الجزائر هنا سيكون حاسمًا. إذا ضغطت الجزائر على قادة البوليساريو لقبول الاتفاق، فهذا يعني أنها بالفعل قد أعطت أولوية لعلاقتها مع الولايات المتحدة والمغرب على حساب استمرار النزاع. لكن إذا استمرت في دعم رفضهم، فإن “دور المراقب” سيكون مجرد غطاء مؤقت.
خلاصة القول، ما نراه هو مشهد انزياح القوى لصالح الحل السياسي. الضغط الأمريكي هو العامل الحاسم الذي أجبر الجزائر على الجلوس إلى الطاولة، حتى لو كان مقعدها مكتوبًا عليه “مراقب”.
وصف الجزائر لهذا الدور بأنه “هروب من المسؤولية” هو محاولة لإنقاذ ماء الوجه أمام الرأي العام الداخلي والإقليمي، بعد أن وجدت نفسها في مواجهة إرادة دولية لا يمكن كسرها.
الرهان الآن على الجولة المقبلة في واشنطن:
إذا نجحت وتم الاتفاق على تشكيل اللجان التقنية والوصول إلى حل في ماي، فهذا يعني أن الجزائر قد قبلت عمليًا بفكرة الحكم الذاتي و”خسرت” الجولة، ولكنها ضمنت عدم تهميشها كليًا في المرحلة المقبلة.
إذا فشلت، قد نشهد عودة إلى الجمود، ولكن مع غضب أمريكي قد يكلف الجزائر ثمناً باهظاً.
ختامًا، ما زالت الجزائر تمسك بأوراق، لكن يدها أصبحت مكشوفة على الطاولة، والمجتمع الدولي (بقيادة الولايات المتحدة) يطلب منها إما اللعب بأوراقها لإنهاء اللعبة، أو الانسحاب من الطاولة وتحمل عواقب تعطيل المسار.

