تنمية على مقاس الولاء.. جدل العدالة المجالية يلاحق مجلس جهة الشرق

تنمية على مقاس الولاء.. جدل العدالة المجالية يلاحق مجلس جهة الشرق

أعادت أشغال لجنة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية بجهة الشرق طرح سؤال العدالة المجالية إلى واجهة النقاش العمومي داخل أروقة مجلس جهة الشرق، وذلك في مشهد سياسي يعكس التوتر الدائم بين منطق التنمية ومنطق الولاء الحزبي.

فبين مشاريع شراكات متعددة وتعديلات ملحقة واتفاقيات ملغاة وأخرى معاد إخراجها، يبرز نمط توزيع يثير شكوكا حول مدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص بين جماعات وأقاليم الجهة، وحول ما إذا كانت بعض القرارات تدار بمنطق الأولويات التنموية أم بمنطق القرب السياسي.

اللجنة صادقت على سلسلة من اتفاقيات الشراكة لإحداث وتجهيز “فضاء جسر الأسرة القروية” بأقاليم تاوريرت، الدريوش وجرادة، إلى جانب مشروع إحداث أكاديمية جهوية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني بجهة الشرق. كما شملت القرارات اقتناء تجهيزات ومعدات طبية لفائدة المراكز الاستشفائية بالجهة، واقتناء جهاز إيكوغرافي لقلب الأطفال لفائدة المركز الاستشفائي الجامعي بوجدة، فضلا عن دعم رياضة كرة القدم عبر اتفاقية تضم وزارة التربية الوطنية والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.

على الورق، تبدو هذه المشاريع استجابة لحاجيات اجتماعية وصحية ورياضية ملحة. غير أن قراءة متأنية لخريطة الاستفادة تطرح تساؤلات حول ما إذا كان توزيعها يعكس بالفعل مؤشرات الهشاشة والفوارق المجالية، أم أنه يتقاطع بشكل لافت مع الخريطة السياسية للجماعات التي يسيرها منتخبون ينتمون إلى حزب الأصالة والمعاصرة.

مصادر سياسية داخل الجهة، تحدثت عن “تركيز ملحوظ” للمشاريع في جماعات وأقاليم محسوبة على الحزب الذي يقود مجلس الجهة، مقابل بطء أو تعثر في برمجة مشاريع ذات أولوية في جماعات أخرى لا تنتمي للأغلبية المسيرة.

في الوقت الذي تعد فيه العدالة المجالية أحد المبادئ المؤطرة للجهوية المتقدمة، يفترض أن تستند قرارات التمويل إلى معايير واضحة: معدلات الفقر، نسب البطالة، الخصاص في البنيات التحتية، ومؤشرات التنمية البشرية. غير أن غياب نشر معايير التنقيط والتقييم يجعل من الصعب التأكد من حيادية القرار.

في وجدة، حظي مشروع تعديل اتفاقية بناء وتجهيز مركب الأميرة للا مريم للتمكين السوسيو-اقتصادي للنساء والفتيات، إلى جانب دعم المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس، باهتمام خاص. كما تمت المصادقة على اقتناء حافلات للنقل الرياضي بأقاليم الناظور وبركان وتاوريرت وفجيج.

الدفاع عن هذه القرارات يمر غالبا عبر التأكيد على “الاستمرارية المؤسساتية” و”تنفيذ التزامات سابقة”، أو عبر الإشارة إلى كون المشاريع تندرج ضمن رؤية تنموية شاملة للجهة. غير أن منتقدين يعتبرون أن الانتقائية في توقيت إخراج بعض المشاريع وتسريع أخرى يعكس تداخلا بين القرار التنموي والحسابات الانتخابية.

الإشكال لا يكمن فقط في توزيع المشاريع، بل في آليات اتخاذ القرار نفسها. فهل تخضع المشاريع لدراسة أثر مجالي؟ وهل تنشر تقارير مفصلة حول ترتيب الأولويات؟ وهل تتوفر المعارضة داخل المجلس على المعطيات الكاملة التي تتيح لها ممارسة رقابة فعلية؟

في غياب أجوبة واضحة، يظل النقاش مفتوحا حول مدى التزام مجلس الجهة بروح الدستور الذي نص على الإنصاف والتوازن بين المجالات. فالعدالة المجالية ليست مجرد شعار سياسي، بل ركيزة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة المنتخبة.

في نهاية المطاف، تبقى جهة الشرق نموذجا مصغرا لإشكالية أوسع في تدبير الشأن الترابي بالمغرب: كيف يمكن ضمان ألا تتحول أدوات التنمية إلى أدوات لإعادة إنتاج النفوذ السياسي؟ وكيف يمكن إرساء ثقافة مؤسساتية تجعل من معيار الحاجة الموضوعية أساسا وحيدا لتوزيع الموارد؟

الجواب لا يمر فقط عبر تبادل الاتهامات، بل عبر إرساء قواعد صارمة للشفافية، ونشر معايير الاستفادة، وتعزيز دور هيئات التقييم المستقلة. دون ذلك، سيظل أي مشروع مهما كانت وجاهته الاجتماعية عرضة للتشكيك، وسيبقى مبدأ العدالة المجالية رهينا بميزان السياسة أكثر منه بميزان التنمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *