ميناء الناظور غرب المتوسط من حلم ملكي إلى رافعة تنموية شاملة للشرق المغربي
سليمة فراجي
مقتطف من البلاغ “أعطى جلالة الملك تعليماته السامية للحرص على أن تستفيد من مزايا هذه الاستثمارات جميع الأقاليم الواقعة ضمن نطاق إشعاع الميناء، ومواكبة المشروع ببرامج للتأهيل الحضري بغية النهوض بالإطار المعيشي بالمنطقة، وإنجاز مخطط عمل متعدد الأبعاد يؤمن التنمية المستقبلية للمشروع.”
وأنا أتتبع اليوم كيف أصبح مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط حقيقة ميدانية ، ورافعة كبرى سترفع لا محالة منسوب الاستثمار والتنمية بالجهة الشرقية، استحضرت لحظة مفصلية من تاريخ هذه الجهة، تعود إلى 18 مارس 2003 بمدينة وجدة، حين ألقى صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله خطاباً تاريخياً، أعطى فيه الانطلاقة لما عُرف آنذاك بـ الأوراش الكبرى للشرق، واضعاً ميناء الناظور في صلب الرؤية الاستراتيجية لتنمية المنطقة.
كنت حاضرة انذاك واستمعت بإمعان لمضامين الخطاب، لم يكن الحديث عن ميناء معزول أو مشروع تقني محدود، بل عن خيار استراتيجي متكامل، أكد فيه جلالة الملك أن جميع الأقاليم المجاورة ستستفيد من إشعاع هذا الميناء، في رسالة واضحة لا تقبل التأويل، ودحضاً مبكراً لكل من حاول ولا يزال الترويج لفكرة أن تطوير البنية التحتية المؤدية إلى الناظور، أو شق طرق موازية، هو تهميش لعاصمة الشرق وجدة.
فالملك، منذ البداية، كان واضحاً: التنمية لا تُقاس بمنطق المرور الطرقي، بل بمنطق التكامل المجالي والعدالة الترابية.
ويأتي البلاغ الملكي الأخير ليؤكد، مرة أخرى، هذا التوجه الاستراتيجي، حيث أعلن الديوان الملكي أن تشغيل ميناء الناظور غرب المتوسط سيبدأ في الربع الأخير من السنة الجارية، ليكون بذلك ثاني ميناء للمياه العميقة في البحر الأبيض المتوسط بعد طنجة المتوسط.
الميناء، الذي تبلغ كلفته الاستثمارية حوالي 5.6 مليار دولار، سينطلق بطاقة استيعابية سنوية تصل إلى خمسة ملايين حاوية، مع قابلية التوسعة إلى 12 مليون حاوية، ما يجعله قطباً لوجستياً وتجارياً من الطراز العالمي، وعنصراً مكملاً لا منافساً لميناء طنجة المتوسط، في إطار رؤية وطنية تجعل من المجال المتوسطي رافعة أساسية للإقلاع الاقتصادي للمملكة.
ولضمان الأثر الشامل لهذا المشروع، قرر جلالة الملك إحداث منطقة حرة بالناظور تضم، إلى جانب الميناء، مناطق اقتصادية وتجارية وصناعية وسياحية، بهدف:
-فتح بوابة متوسطية حقيقية لتنمية الجهة الشرقية،
-خلق فرص شغل مستدامة،
-جذب الاستثمارات الوطنية والأجنبية،
-وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني ككل.
والأهم من ذلك، أن جلالة الملك أعطى تعليماته السامية للحرص على أن تستفيد من مزايا هذه الاستثمارات جميع الأقاليم الواقعة ضمن نطاق إشعاع الميناء، مع مواكبة المشروع ببرامج للتأهيل الحضري، وتحسين الإطار المعيشي للسكان، وإنجاز مخطط عمل متعدد الأبعاد يضمن استدامة التنمية وعدالتها المجالية.
وهنا، تحديداً، تأتي الرسالة إلى العدميين والمشككين:
إن المشاريع الملكية الكبرى لا تُبنى بمنطق الإقصاء، ولا تُدار بعقلية المركز والهامش، بل برؤية استراتيجية بعيدة المدى، تجعل من كل جهة لبنة في صرح التنمية الوطنية.
ميناء الناظور ليس مشروع مدينة ضد أخرى، ولا إقليماً على حساب إقليم، بل فرصة تاريخية للشرق المغربي بأكمله، من وجدة إلى بركان، ومن الدريوش إلى تاوريرت وجرادة وكرسيف ..
لذلك، فرحون بهذا المشروع الرائع، لا من باب العاطفة، بل من منطلق وعي عميق بأن التنمية المندمجة هي السبيل الوحيد لتكرار نجاح تجربة طنجة المتوسط، وترسيخ مكانة المغرب كقوة لوجستية واقتصادية متوسطية وإفريقية.
إنها رؤية ملك… ومن يشكك فيها، فليُراجع التاريخ، وليُنصت للوقائع، لا للانطباعات

