عاملات يدفعن ثمن الغاء صفقة النظافة في المؤسسات التعليمية
عبد العزيز داودي
في الوقت الذي تتحدث فيه الدولة عن تعزيز الحماية الاجتماعية وصون كرامة الشغيلة وتحسين ظروف العمل، فوجئت قرابة 300 عاملة نظافة بالمؤسسات التعليمية بوجدة بإلغاء صفقة كانت تحمل لهن بارقة أمل في الاستقرار المهني والاجتماعي.
فالصفقة مرت، بحسب المعطيات المتداولة، بجميع مراحلها القانونية والإدارية؛ إذ تم الإعلان عنها في جريدتين وطنيتين وعلى البوابة الإلكترونية للصفقات العمومية لأكثر من 22 يوماً، وجرى فتح الأظرفة في جلسة رسمية بحضور أعضاء اللجنة المختصة، ثم فحص العروض وتقييمها قبل الإعلان عن نائل الصفقة.
وكان من أبرز مستجدات هذه الصفقة إدراج شهر غشت ضمن مدة التنفيذ، وهو ما اعتبرته العاملات مكسباً اجتماعياً مهماً، لأنه يضمن استمرار عملهن وتصريحهن لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي دون انقطاع، ويجنبهن فقدان الاستفادة من التعويضات والخدمات الصحية وما يرتبط بها من حقوق.
غير أن الأمور أخذت منحى مختلفاً بعد تدخل الأكاديمية وإلغاء الصفقة بداعي أن الغلاف المالي غير كاف، وأن إدراج شهر غشت تم دون استشارة
وهنا تبرز أسئلة مشروعة تستحق إجابات واضحة:
إذا كان الغلاف المالي غير كاف، فلماذا لم يتم اكتشاف ذلك قبل الإعلان عن الصفقة؟
كيف اجتازت الصفقة مختلف مراحل الدراسة والمصادقة والنشر دون تسجيل هذا الخلل؟
لماذا انتظرت الجهات المعنية إلى ما بعد اختيار نائل الصفقة لاتخاذ قرار الإلغاء؟
من يتحمل مسؤولية هذا الارتباك الإداري إن ثبت وجوده؟
هل سيتم فتح تحقيق لتحديد مكامن الخلل وتفادي تكراره؟
هل أُخذت بعين الاعتبار الآثار الاجتماعية والنفسية لهذا القرار على مئات العاملات وأسرهن؟
هل يمكن الحديث عن حماية اجتماعية حقيقية إذا كان شهر واحد من الانقطاع كفيلاً بحرمان العاملات من حقوق مرتبطة بالتغطية الاجتماعية؟
لماذا يُنظر إلى تشغيل العاملات خلال شهر غشت باعتباره عبئاً مالياً، بينما يشكل في الواقع ضرورة لضمان نظافة المؤسسات واستعدادها للدخول المدرسي؟
أليست المؤسسات التعليمية في حاجة خلال شهر غشت إلى عمليات تنظيف عميقة وإزالة الأتربة المتراكمة وصيانة الفضاءات قبل استقبال التلاميذ؟
وهل كان من الأنسب البحث عن حلول مالية أو تقنية لتدارك الوضع بدل اللجوء إلى الإلغاء بعد استكمال مسطرة المنافسة؟
إن عاملات النظافة لا يطالبن بامتيازات استثنائية، بل بالحد الأدنى من الاستقرار المهني والاجتماعي الذي يسمح لهن بالعيش الكريم والاستفادة المستمرة من حقوقهن في الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية.
إن هذا الملف يتجاوز مجرد صفقة عمومية، ليطرح سؤالاً أعمق حول مكانة العنصر البشري في تدبير المرافق العمومية: هل تكون الأولوية للحسابات المالية وحدها، أم أن الاعتبارات الاجتماعية وكرامة العاملات يجب أن تكون جزءاً أساسياً من أي قرار إداري؟
إن الرأي العام والعاملات المعنيات ينتظرون توضيحات رسمية وإجابات مقنعة، ليس فقط بشأن أسباب الإلغاء، بل أيضاً حول الكيفية التي ستتم بها حماية حقوق هذه الفئة وضمان عدم تكرار مثل هذه الوضعية مستقبلاً.


