لماذا ينبطح حكام الجزائر لفرنسا بمجرد تهديدهم بالكشف عن ماضيهم؟ لأن أباءهم وأجدادهم كانوا في خدمة فرنسا الاستعمارية
عبدالقادر كتـــرة
تجمع هذه الصورة “الكابتن عطاف”، رئيس اللجنة الإدارية المدية (اليوم ولاية المدية)، وهو يرتدي الزي التقليدي للسپاهي (جنود جزائريون كانوا تحت الجيش العثماني تم دمجهم في الجيش الفرنسي)، إلى جانب “روبير لاكوست”، وزير الجزائر (في الحكومة الفرنسية).
التقط الصورة “سيغموند ميكالوفسكي”، لتخليد الحدث، الذي جرى في “سيدي لعجل”، الذي يصور احتفالاً تقليدياً كبيراً حضره 4000 شخص كممثلين عن 520,000 نسمة، حيث استُقبل الوزير “لاكوست” بحفاوة واستُعرضت له فرق الفرسان المحلية (الكومية والسپاهي) كرمز للولاء.
يخلد الحدث “انضمام” سكان الأطلس إلى “الجزائر الجديدة” أو “الجزائر الفرنسية”، بحضور مسؤولين فرنسيين رفيعي المستوى.
“روبير لاكوست” (1898-1989): سياسي فرنسي اشتراكي، مقاوم سابق. شغل منصب وزير مقيم ثم وزير للجزائر من فبراير 1956 إلى مايو 1958، خلال ذروة حرب التحرير الجزائرية.
كان من أبرز المدافعين عن بقاء الجزائر جزءًا من الجمهورية الفرنسية ومارس سياسة قمعية صارمة ضد جبهة التحرير الوطني.
“السپاهي”: هم في الأصل فرقة فرسان النخبة في جيش داي الجزائر العثماني. بعد الاحتلال الفرنسي، تم دمجهم في “جيش إفريقيا” التابع للجيش الفرنسي تحت قيادة ضباط فرنسيين، وشاركوا بشكل بارز في احتلال وتثبيت الوجود الفرنسي في شمال إفريقيا.
أما الزي الذي يرتديه “الكابتن عطاف” فهو الزي الرسمي الفخم للسپاهي، والذي كان يتكون تقليديًا من سروال واسع (سروال) وقميص وجبة وحزام عريض وبرنس (بُرنُس) أبيض في المناسبات الرسمية. كان هذا الزي يمثل الهوية العسكرية النخبوية المرتبطة بجيش إفريقيا.
هذه الصورة ليست مجرد توثيق لحدث، بل هي قطعة دعاية استعمارية مصممة بعناية، ويمكن تحليلها على عدة مستويات:
1. مسرحية “الانضمام الطوعي”: الحدث، كما ورد في الوصف، كان مظاهرة مُدارة بعناية لتقديم سردية مفادها أن سكان المناطق الريفية (يمثلهم 4000 شخص حسب الرواية) يدعمون طوعًا المشروع الاستعماري الفرنسي (“الجزائر الجديدة”).
هذا يتناقض مع واقع حرب التحرير الجزائرية (1954-1962) التي كانت على أشدها، حيث كانت السلطات الفرنسية تحاول إظهار شرعية ونجاح سياستها.
2. رمزية الاستعراض العسكري: استعراض فرق الفرسان المحلية (الكومية والسپاهي) أمام الوزير الفرنسي يرمز إلى إخضاع القوة المحلية وإدماجها في الهيكل الاستعماري. كان السپاهي أداة عسكرية أساسية في غزو واستقرار الإدارة الفرنسية في شمال إفريقيا. حضورهم بهذا الزي في هذا السياق يؤكد على ولائهم المزعوم للنظام الفرنسي.
3. دور روبير لاكوست: وجود لاكوست، الوزير المسؤول عن قمع الثورة، في قلب هذه المسرحية، يسلط الضوء على الوجه المزدوج لسياسته: من ناحية، القمع العسكري والقانوني (كما يتضح من تصريحاته التي تدافع عن التعذيب وتلوم منتقديه)، ومن ناحية أخرى، محاولة كسب الشرعية من خلال إظهار دعم محلي مزعوم وإصلاحات إدارية (مثل “قانون الإطار”).
تمثل هذه الصورة نموذجًا كلاسيكيًا لآلة الدعاية الاستعمارية التي سعت إلى تزيين الواقع القمعي وتقديم الاحتلال على أنه مشروع حضاري وتحديثي مقبول من “الأهالي”. التركيز على الزي التقليدي والفلكلور يستخدم لخلق صورة زائفة عن الانسجام والوفاق تحت القيادة الفرنسية.
من منظور تاريخي نقدي، يجب رؤية هذا المشهد في سياق حرب استعمارية شرسة. ما يصور على أنه “انضمام” كان في أحسن الأحوال نتيجة ضغوط هائلة أو تمثيلًا لمصالح فئة محدودة متعاونة مع الإدارة الاستعمارية. إنه ينفي تمامًا وجود حركة تحرر وطني شعبية قوية ومتزايدة.
الفوج الأول للسپاهي لا يزال موجودًا في الجيش الفرنسي اليوم، ويرابط في فالنس، وهو “وريث تقاليد جميع أفواج السپاهي” السابقة. بقاؤه يطرح أسئلة حول كيفية تعامل الذاكرة الفرنسية الرسمية مع هذا الإراث الاستعماري العسكري المعقد.
هذه الصورة التاريخية تساعد في فهم الجذور العميقة لعلاقات القوة والريبة بين فرنسا والجزائر.
تاريخ التجسس والمراقبة المتبادلة (كما في حالة الموظف الموقوف حديثًا) ليس وليد اللحظة، بل له خلفية في تاريخ طويل من الصراع والسيطرة، حيث كانت مراقبة المعارضين و”الولاءات” دائمًا في صلب العلاقة.

