حين تتحوّل العداوة إلى مشروع سياسي وحين تتحوّل الرياضة إلى امتداد للعقيدة السياسية، فذلك ليس دليل قوة، بل إعلان فشل

حين تتحوّل العداوة إلى مشروع سياسي  وحين تتحوّل الرياضة إلى امتداد للعقيدة السياسية، فذلك ليس دليل قوة، بل إعلان فشل

بقلم  سليمة فرحي

ما نشهده اليوم من عبارت قدحية وإساءات مختلفة تجاه المغرب ولو في تظاهرات رياضية بلغت إلى حد تمزيق العملة الوطنية امام العلن وفي عقر دارنا لا يمكن اختزاله في سوء تفاهم عابر بين شعبين جارين، ولا في انزلاق ظرفي مرتبط بسياق آني.

إنه ثمرة عملية طويلة وممنهجة لتشكيل الوعي الجماعي، عملية غسل دماغ امتدت عبر أجيال متعاقبة، صاغتها السلطة السياسية الجزائرية وأعادت إنتاجها عبر المدرسة والإعلام والرياضة، حتى غدا العداء للمغرب جزءًا من الخطاب الرسمي، بل أحد أعمدة الشرعية السياسية.

تجربتي الشخصية خلال سنوات الدراسة بمدينة وهران تشكّل شاهدًا مبكرًا على ذلك.

فحتى قبل استرجاع المغرب لسيادته على صحرائه، كان الخطاب العدائي تجاه المملكة ونظامها الملكي حاضرًا بقوة. وكان الطلبة المغاربة يُوصمون بأوصاف قدحية، ويُقدَّم المغرب في صورة كاريكاتورية تختزل في الفقر والانبطاح والانحلال، في خطاب لم يكن بريئًا ولا عفويًا.

ذلك الخطاب لم يصدر عن وجدان شعبي صافٍ،

بل كان نتاج بناء سياسي متعمد، انطلق منذ السنوات الأولى للاستقلال الجزائري، حين اختار النظام أن يؤسس شرعيته لا على النجاح الداخلي، بل على صناعة عدو خارجي يُعلَّق عليه الفشل، وتُبرَّر به الأزمات.

هكذا تحوّل المغرب إلى عدوٍّ وظيفي، تُفرَّغ فيه الإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، ويُستثمر لإعادة تعبئة الداخل حول شعور دائم بالتهديد.

هذا العداء لا يستند إلى صراع تاريخي بين شعبين تجمعهما روابط الدين واللغة والعلاقات الدموية والمصاهرة والاستعمار المشترك بل إلى تضخّم الأنا السياسية،وإلى هوس الزعامة الإقليمية،l’hégémonie

وإلى رفض وجود ملكية تاريخية مستقرة بجوار نظام عسكري لم يحسم بعد علاقته بالشرعية المدنية، ولا بالتداول الديمقراطي،

أما تحالفات مرحلة بومدين مع أنظمة عسكرية رُفعت آنذاك تحت شعار “التقدمية”، فلم تكن سوى تعبير عن منطق واحد يتمحور حول مواجهة نموذج دولتي اختار الاستمرارية بدل الانقلاب، والمؤسسات بدل العسكرة، والتعدد بدل الحزب الواحد.

ويظل طرد آلاف المغاربة سنة 1975، وتجريدهم من ممتلكاتهم وكرامتهم، أحد أكثر فصول هذا العداء قتامة.

لقد كان قرارًا عقابيًا جماعيًا، في خرق صارخ لأبسط حقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية، اتُّخذ كرد فعل على المسيرة الخضراء، التي جسّدت استرجاعًا سلميًا لحق تاريخي.

ورغم جسامة الحدث، اختار المغرب، دولةً وشعبًا، منطق الحكمة والكرامة، مفضّلًا الصمت المسؤول على منطق الانتقام، وحفظ الذاكرة على تأجيج الكراهية.بل جميع الخطابات الملكية لملك المغرب توجهت نحو اليد الممدودة وان الشر لا يمكن ان يأتي من المغرب في استحضار روابط تاريخية إنسانية والنضال المشترك ضد الاستعمار …

 

اليوم، يعاد إنتاج السلوك نفسه بأشكال أخرى: خطاب سبّ وتحريض هوس بالشأن المغربي وكأنه قضية داخلية جزائرية، واستثمار لكل مناسبة، حتى الرياضية منها، لبث العداء والتشويه.

وحين تتحوّل الرياضة إلى امتداد للعقيدة السياسية، فذلك ليس دليل قوة، بل إعلان فشل.

والمفارقة المؤلمة أن المغرب لم يكن يومًا خصمًا للجزائر، بل سندًا تاريخيًا لها في مسار التحرر.

ويكفي استحضار قول المغفور له محمد الخامس:

« لا استقلال حقيقي للمغرب دون استقلال الجزائر »

لإدراك عمق الرؤية التي كانت تؤمن بوحدة المصير، لا بصناعة العداوات.

غير أن التاريخ، حين لا يخدم السلطة،

يتوقف عن كونه مادة للتعليم،

ويتحوّل إلى أداة للتشويه والانتقاء.

أمام هذا الوضع المؤسف،لا يكون الردّ في السقوط في خطاب الكراهية،

ولا في مجاراة الإساءة بالإساءة،

بل في التمسك بالذاكرة، وبالوقائع، وبالثقة الهادئة في الشرعية التاريخية.

فالدول الواثقة من مسارها لا تحتاج إلى عدو دائم،والشعوب الحيّة تُقاس بقدرتها على التمييزبين النظام والشعب،وبين الدعاية والحقيقة.لأن التاريخ، مهما طال العبث به،لا بد أن يستعيد كلمته الأخيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *