المغرب/ واحة فجيج : عيون، سواقي وخطارات ، صهاريج وقنوات: براعة في تصريف المياه وفشل في تصريف الخلافات

المغرب/ واحة فجيج :  عيون، سواقي وخطارات ، صهاريج وقنوات: براعة في تصريف المياه وفشل في تصريف الخلافات

  اعداد محمد اعمر

سلسلة حديث الأمكنة:                                                                                       

  سلسلة ” حديث الأمكنة ” عبارة عن حلقات مستوحاة من جهة وبشكل مباشر من قصة    ” ساعة  احد  الجوامع ” بواحة فكيك كنت اتمنى منذ زمن ان اترجم لها في شكل مقال بما اتيح لي من معلومات بخصوصها  وبما علق بذهني من ذكريات وانطلاقا من تقدير شخصي أنها تستحق العناء والكتابة، ومن جهة أخرى مستوحاة وبشكل غير مباشر من وجود دافع ذاتي له علاقة بالمشاعر وبالروح وبالوجدان وبما يربطني بالأماكن العتيقة عموما وبالواحة خصوصا من علاقة جذب وما يستهويني فيها وما يلفت انتباهي إلى بعض تفاصيل الحياة بها وما اشعر به بين أحضان أمكنتها وأزمنتها من دفئ وراحة ومتعة وسكون وطمأنينة.

المكان 08 (الجزء الاول) واحة فجيج :  عيون، سواقي وخطارات ، صهاريج وقنوات: براعة في تصريف المياه وفشل في تصريف الخلافات.

الواحة هي نخل باسقات طلعها هضيم ،هي الحرث هي الزروع هي الخضرة هي القصور، هي الطين هي الناس هي المساجد والمنارات هي الاعراف والعادات هي الحضارة .هي المـــــــاء قبل هذا وذلك وذاك.

جرى على سطح الارض سلسبيلا اونقبوا عنه وشقوالصخرفسال العرق مدرارا قبل ان يتفجر الماء عيونا. وضع له الاقدمون نظام صرف وتوزيع جماعي بارع ومحكم ،عادل ومتوازن حفاظا له  من الضياع والتبدير، ولما لا ؟ فقد جبل الناس على كنز الذهب والفضة والمحافظة على متاع الحياة الدنيا من خيل مسومة وانعام وحرث ،تعود ملكية الماء في الواحة الى الافراد والى الجماعة  يباع ويشترى ، يورث ويوهب ،يرهن ويكترى وفق عقود موثقة كما تباع وتشترى و تكترى المنازل والسيارات والملابس اليوم ، يصرف كما تصرف العملة اليوم بل هو في حذ ذاته عملة نادرة كل ما ينتج من الماء تتم مقايضته بسلع اخرى، من يملك الماء يملك الجاه والقوة والسلطة ،رمز للغنى والثراء. يوضع على راس هذا النظام رجل يسمى ” الصريفي ” تساعده لجنة استشارية لتسهيل مهامه يفترض ان يكون على درجة من الحنكة والفطنة   .

 والتجربة والذكاء والصبر للقيام بمهمة صرفه وتدبيره وتوزيعه بحكمة واتقان ونجاح وقدرة على حل المشاكل والخلافات ، فما اتعبها من مهمة فقد تجلب لصاحبها الصداقة والتودد والقربة كما قد تجلب له العداوة والبغضاء والازدراء.         

يحستب بطرق مبتكرة محليا وباستعمال الساعة المائية قديما قبل انتشاروذيوع ساعات الجيب وساعات اليد  والمنبهات وساعات الهواتف، له وحدات حساب وقياس خاصة ، له قاموس لغوي خاص  ” تيغيرت “،  او    ” الخروبة” تعادل 45 دقيقة من التدفق عبر ساقية فردية او مزدوجة وحسب قوة الدفع ،” تغدا ” عمود من جريد النخل بطول عمق الصهريج مرقم بدقة على شكل مسطرة لا مجال فيه للخطا ولو بمليم واحد.

جل الخلافات والصراعات والمشاحنات كانت تدور حول كيفية ضبط الوقت والحساب وحول منسوب صبيب الساقية هل هو عادي ؟ ضعيف؟ ام قوي؟ ، تحروا عن مدى تدخل ” الصريفي ” في المنسوب بالزيادة او بالنقصان عن غير قصد او عن عمد محاباة  للبعض على حساب البعض من  ذوي القربى او المكانة والحظوة والجاه.

ولمزيد من الحرص كان لزاما على ” الصريفي “ نفسه او لمن وصلت ” نوبته من السقي”  من ان  يعرج على “ساعة المسجد”  قصد ضبط الوقت والتحقق منه  بحسب ما تشير اليه عقاربها فهي  الفيصل في اختلاف الدقائق بل وحتى الثواني من ساعة يدوية الى اخرى وهي الحكم ايضا في حالة النزاع في زمن  كان لمياه الري قيمة واعتبارا بعدما تغير نمط الحياة وأصبح الماء في عز النهار سائبا  بين السواقي والحفر. ولكن كيف السبيل الى هذه الساعة خارج اوقات الصلاة ؟او في اوقات متاخرة من الليل قبل الفجراو بعده عندما تكون المساجد مغلقة ؟ اهتدى بعضهم الى وضع ساعة كبيرة داخل الجامع بشكل يجعلها تطل على الطريق من خلال كوة زجاجية لتكون في متناول الفلاح اولا او كساعة عمومية لمن له فيها مارب اخرى.

حركة لا تنقطع على مدار اربع وعشرون ساعة  وعلى مدار السنة وتوالي الفصول وتعاقب الليل والنهار  جابوا الدروب والازقة رجالا وركبانا وهم يقتفون اثر ” الصريفي” الجميع يسال عن نوبته من مياه السقي ، تتبعوا السواقي واجتازوا وعور الشعاب والحفر، كلما اضاء لهم القمر مشوا فيه واذا اظلم عليهم اخرجوا الفتيلة او القنديل او المصباح ،نزلوا الى الخطارات بالليل وبالنهار، تحملوا لسعات البرد القارس وشواظ النهار ، تعرضوا لخطرلدغات الافاعي و العقارب ،احتاطوا لهجوم الكلاب والضباع والذئاب و استيقظوا فجرا تلبية لنداء الصلاة خير من النوم وحتى لا تضيع ” النوبة ” منهم حيث لن تقبل منك شكاية قياسا على المقولة الشهيرة المكتوبة على تذكرة السفر، لم تثنيهم عاصفة ولا دوي رعد ولا تالق برق ،تحملوا بلل الامطار و قوة  الزوابع والغبار تجدهم في الانتظارقبل الموعد عند ملتقى السواقي  ” محصر ” او “محسر” كما  تنطق محليا فلن يسمح احدهم بضياع دقيقة من حصته في مياه السقي وكاني بهم يقتبسون من شعر الامير:

فما نيل المطالب بالتمنـــي    #   ولكن تاخذ الدنيا غلابــــــا

وما استعصى على قوم منال   #  اذا الاقدام كان لهم ركابا

يتبع بجزء ثاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.