المغرب يدخل مرحلة جديدة من التحديث العسكري بالذكاء الاصطناعي لتتبع التحركات وحماية الشبكات العسكرية
تفرض التحولات المتسارعة في طبيعة الحروب الحديثة إعادة النظر في معايير التفوق العسكري، التي أصبحت ترتبط، بصورة متزايدة، بالقدرة على امتلاك المعلومة ومعالجتها واستثمارها في الزمن الحقيقي، فضلاً عن حماية الأنظمة الرقمية من الاختراق والتشويش والهجمات السيبرانية.
وفي هذا السياق، تكشف معطيات نشرتها شركة التكنولوجيا الدفاعية الأمريكية “Lyntris”عن توجه القوات المسلحة الملكية المغربية نحو تعزيز قدراتها التكنولوجية والعملياتية، من خلال اعتماد منظومتين متطورتين للقيادة والسيطرة والدفاع السيبراني، في خطوة تعكس أبعاداً جديدة في مسار تحديث المنظومة الدفاعية الوطنية.
ويتعلق الأمر بمنظومة “Garda C2” المخصصة للقيادة والسيطرة ودمج المعلومات العملياتية، ومنظومة “Garda Cyber Command Suite” المعنية بتأمين الشبكات العسكرية ورصد التهديدات السيبرانية والتصدي لها. ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات الجيوسياسية والأمنية التي تعرفها المنطقة، سواء على مستوى التحديات المرتبطة بمراقبة الحدود البحرية ومحاولات الهجرة غير النظامية نحو سبتة ومليلية، أو في ظل المستجدات التي يشهدها ملف الصحراء، وما تفرضه من متطلبات متزايدة على مستوى اليقظة والجاهزية الدفاعية.
وتتيح منظومة “Garda C2” جمع المعلومات الواردة من الرادارات وأنظمة التعرف الآلي على السفن والمستشعرات الكهروبصرية، وتحويلها إلى صورة عملياتية موحدة، تمكن مراكز القيادة من متابعة التحركات في الزمن الحقيقي. وتكمن القيمة الاستراتيجية لهذه التكنولوجيا في تجاوز محدودية أنظمة المراقبة المنفصلة، من خلال ربط مختلف مصادر المعلومات ضمن شبكة متكاملة، تسمح بتبادل المعطيات وتوحيد التقديرات وتسريع اتخاذ القرار.
ولا يتعلق الأمر بمجرد تطوير تقني لوسائل الرصد، بل بإعادة تنظيم العلاقة بين المعلومة والقرار والتدخل الميداني. فالمنظومة قادرة على تتبع الأهداف وتصنيف التحركات ذات الأهمية الأمنية، وتحديد مناطق الإنذار، وإعداد الخطط التكتيكية وتنسيق تحركات الوحدات، بما يرفع من فعالية الاستجابة ويحد من الزمن الفاصل بين اكتشاف التهديد والتعامل معه. وتبرز أهمية هذه القدرات بصورة خاصة في شمال المملكة، حيث تشير الشركة الأمريكية إلى استكمال ثلاث منشآت تجريبية، تشمل مقراً للقيادة ومركزاً للعمليات الجهوية، إضافة إلى 11 موقعاً لأجهزة الاستشعار، كان مقرراً ربطها بالخدمة منتصف سنة 2026. ويمنح هذا الانتشار بعداً استراتيجياً لمراقبة المجال البحري، خصوصاً في مواجهة شبكات التهريب والهجرة غير النظامية ومحاولات العبور نحو سبتة، إذ لم تعد حماية الحدود مرتبطة فقط بالحضور الميداني، وإنما أصبحت رهينة القدرة على الرصد المبكر وتحليل التحركات وتنسيق التدخلات.
أما على مستوى ملف الصحراء، فإن تعزيز هذه القدرات يأتي في سياق تحولات استراتيجية تستدعي تطوير أدوات المراقبة والتقدير العملياتي، ولا سيما مع دخول المنطقة مرحلة جديدة عقب انتهاء ولاية بعثة “المينورسو”. فالمتغيرات التي يعرفها هذا الملف تجعل الجاهزية الدفاعية وتدبير المجال الترابي والأمني من بين العناصر الأساسية في معادلة حماية المصالح الوطنية وصيانة الوحدة الترابية.
وفي موازاة ذلك، تضطلع منظومة «Garda Cyber» بمهمة لا تقل أهمية، تتمثل في حماية البنية الرقمية العسكرية من الاختراقات والهجمات الإلكترونية، من خلال مراقبة الأحداث الأمنية، واكتشاف محاولات التسلل، وفحص الثغرات وتحليل التهديدات وتأمين الأجهزة الطرفية. وتقول الشركة إن المنظومة توظف تقنيات الذكاء الاصطناعي للتعرف على أنماط الهجمات المحتملة، كما صممت لمواصلة العمل في ظروف اضطراب الاتصالات، وهو عنصر بالغ الأهمية في البيئات العملياتية التي قد تتعرض للتشويش أو الاستهداف الإلكتروني.
وتكشف معطيات الشركة، الصادرة في السادس من أبريل 2026، عن خضوع عناصر من القوات المسلحة الملكية لتكوين متخصص بمدينة سان دييغو الأمريكية، استمر أسبوعين، وشمل إدارة المنظومة وتشغيلها وصيانة منصتها، فضلاً عن تدبير الأهداف ومناطق الإنذار والتخطيط التكتيكي. كما ساهمت ملاحظات المستخدمين المغاربة في تطوير بعض وظائف النظام، من خلال تبسيط طبقات الخرائط وإدماج بيانات لوجستية وتعديل إجراءات العمل، وهي تحسينات قالت الشركة إن بعضها انتقل إلى برامج مرتبطة ببيئات القيادة التابعة للبحرية الأمريكية.
إن الأهمية الحقيقية لهذه الخطوة لا تكمن فقط في إدخال منظومتين أمريكيتين إلى الخدمة، بل في التحول التدريجي نحو نموذج دفاعي تصبح فيه التكنولوجيا والمعلومة والذكاء الاصطناعي عناصر حاسمة في حماية الأمن القومي. فالمعركة العسكرية الحديثة لم تعد تبدأ عند حدود المواجهة الميدانية، وإنما قد تبدأ من شاشة مراقبة، أو إشارة إلكترونية، أو معلومة يتم تحليلها قبل أن تتحول إلى تهديد.
ومن هذا المنظور، يبدو أن المغرب يوسع مفهوم تحديث قدراته الدفاعية، منتقلاً من منطق امتلاك وسائل الردع التقليدية إلى بناء منظومة متكاملة للرصد والقيادة والحماية الرقمية. وهو تحول يفرض، في الوقت نفسه، التفكير في تطوير الكفاءات الوطنية، وتعزيز أمن البيانات، وتقليص التبعية التكنولوجية، بما يضمن ألا يظل التفوق العملياتي رهين التكنولوجيا المستوردة، بل يتحول إلى قدرة وطنية مستدامة على الابتكار والتطوير وحماية السيادة المعلوماتية.
المصدر : i24NEWS

