مَقَامَرَةُ الحُدُودِ الجَنُوبِيَّةِ: الجَيْشُ الجَزَائِرِيُّ بَيْنَ كَمَّاشَةِ “أَبْنَاءِ حَفْتَرَ” وَفَخِّ الصَّحْرَاءِ الكُبْرَى… طُبُولُ الحَرْبِ تُقْرَعُ فِي مُثَلَّثِ “مَادَامَا”.. النِّظَامُ الجَزَائِرِيُّ يُقَامِرُ بِجُنُودِهِ لِكَسْرِ عُزْلَتِهِ الإِقْلِيمِيَّةِ

مَقَامَرَةُ الحُدُودِ الجَنُوبِيَّةِ: الجَيْشُ الجَزَائِرِيُّ بَيْنَ كَمَّاشَةِ “أَبْنَاءِ حَفْتَرَ” وَفَخِّ الصَّحْرَاءِ الكُبْرَى… طُبُولُ الحَرْبِ تُقْرَعُ فِي مُثَلَّثِ “مَادَامَا”.. النِّظَامُ الجَزَائِرِيُّ يُقَامِرُ بِجُنُودِهِ لِكَسْرِ عُزْلَتِهِ الإِقْلِيمِيَّةِ

عبدالقادر كتـــرة

في خطوة لم تكن مألوفة في التاريخ العسكري للجزائر الحديثة، صوّت البرلمان الجزائري بغرفتيه في أواخر أكتوبر الجاري بالإجماع على قرار يتيح إرسال وحدات من الجيش إلى خارج الحدود، وتحديداً إلى دولة النيجر المجاورة.

هذا التحرك، الذي تشير تقارير دولية متطابقة إلى أنه يستهدف التمركز في قاعدة “ماداما” الجوية شمال النيجر، لم يمر مرور الكرام؛ بل أشعل فتيل استنفار عسكري غير مسبوق على الجانب الآخر من الحدود، حيث دفعت القيادة العامة للجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر وأبنائه بقوات نخبة عالية التدريب إلى أقصى الجنوب الليبي، في رسالة ردع مباشرة لا تخطئها العين.

هذا المشهد المعقد يطرح تساؤلاً جوهرياً في الأوساط السياسية والشعبية: هل يدرك النظام الجزائري حجم المغامرة التي يزج فيها بجيشه خارج حدوده، أم أنها “مقامرة غير محسوبة” (Aventure déséquilibrée) ستدفع الجزائر ثمنها غالياً من أمنها واقتصادها واستقرارها الداخلي؟

كسر “الخط الأحمر” وفقدان البوصلة

لعقود طويلة، تباهت المؤسسة العسكرية الجزائرية بعقيدتها الدفاعية الصارمة القائمة على عدم تدخل الجيش خارج الحدود، وهو مبدأ لطالما شكّل صمام أمان يحظى بإجماع شعبي. غير أن كسر هذا “التابو” اليوم تحت مبرر “محاربة الإرهاب وتأمين الحدود” يخفي وراءه أزمة دبلوماسية واستراتيجية عميقة؛ فبعد خسارة الجزائر لنفوذها التقليدي في مالي إثر انهيار “اتفاق الجزائر” وتصاعد التوتر مع باماكو، وجد النظام نفسه معزولاً في عمقه الأفريقي، ليلجأ إلى الخيار العسكري في النيجر كمحاولة أخيرة لإثبات الوجود وحماية مشاريع متعثرة، على رأسها أنبوب الغاز العابر للصحراء.

ميزان القوى الميداني.. الجيش النظامي في مواجهة “خبراء الصحراء”

الخطر الأكبر الذي يواجه البعثة العسكرية الجزائرية في قاعدة “ماداما” — التي لا تبعد سوى نحو 100 كيلومتر عن الحدود الليبية وقرابة 260 كيلومتراً عن “قاعدة الويغ” الاستراتيجية الخاضعة لحفتر — يكمن في طبيعة الميدان.

فالجيش الجزائري جيش نظامي تقليدي، لم يختبر حروب الصحراء المفتوحة خارج أراضيه، ولا يمتلك خبرة تأمين خطوط إمداد طويلة في بيئة معادية ومعقدة.

في المقابل، فإن القوات الليبية الموالية لحفتر والتي يقودها أبناؤه (صدام وخالد)، إلى جانب حلفائها الإقليميين والدوليين في الجنوب، قد راكمت خبرة قتالية شرسة على مدار أكثر من عشر سنوات في حروب الكر والفر، وتأمين المساحات الشاسعة، والتعامل مع التضاريس القاسية والتحالفات القبلية العابرة للحدود.

هذا الفارق في الخبرة الميدانية يجعل أي احتكاك مباشر أو غير مباشر يميل كفته لصالح القوات المتمرسة في حرب العصابات والصحراء.

التداعيات على الجزائر: أثمان باهظة في انتظار الداخل

إن التورط العسكري في مثلث (الجزائر – ليبيا – النيجر) لن يكون نزهة عسكرية، بل يحمل في طياته تداعيات خطيرة تهدد الداخل الجزائري على عدة مستويات:

1- صدمة الجبهة الداخلية ورفض “التوابيت”: الشعب الجزائري حساس للغاية تجاه زج أبنائه من الجنود في حروب خارجية لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

وفي منطقة تعج بالجماعات المسلحة وعصابات التهريب والميليشيات الإثنية، تصبح القوات الجزائرية هدفاً ثابتاً لحرب استنزاف شبيهة بتلك التي أخرجت القوات الفرنسية من الساحل.

وأي خسائر بشرية في صفوف الجيش ستتحول فوراً إلى غضب شعبي عارم يضع شرعية النظام وقراراته على المحك.

2- نزيف اقتصادي ومالي إضافي: تمويل عملية عسكرية خارج الحدود يتطلب ميزانيات ضخمة لتأمين اللوجستيات، والعتاد، والمكافآت، وتأمين خطوط الإمداد في صحراء قاحلة.

هذا الاستنزاف المالي يأتي في وقت يعاني فيه المواطن الجزائري من ضغوط اقتصادية وتضخم، مما يعمق الفجوة بين أولويات السلطة التي تشتري النفوذ الخارجي، وتطلعات الشعب الذي يطالب بالتنمية الداخلية.

3- استيراد الفوضى بدل تصدير الأمن: بدل أن تكون قاعدة “ماداما” خط دفاع متقدم، قد تتحول إلى نقطة جذب لكل القوى المعادية للجزائر في الساحل.

فاستفزاز قوات حفتر في جنوب ليبيا قد يدفع نحو “حرب بالوكالة”، يتم فيها تحريك فصائل مسلحة وقبائل حدودية لإرباك القوات الجزائرية، مما يعني نقل التوتر مباشرة إلى الخاصرة الجنوبية للجزائر (تمنراست وجانت وإن قزام).

4- الاصطدام بحسابات القوى الكبرى: التحرك الجزائري في منطقة تشهد نفوذاً متصاعداً لروسيا (عبر الفيلق الأفريقي الحليف لحفتر ولأنظمة الساحل) ومصالح أمنية دقيقة لدول مثل الولايات المتحدة وإيطاليا، قد يضع الجزائر في عزلة دولية أكبر إذا ما اعتُبر تحركها عاملاً لزعزعة الاستقرار أو تهديداً للتوازنات القائمة في الجنوب الليبي.

ختاما، بين الرغبة في استعراض القوة والهروب من العزلة الإقليمية، يضع النظام الجزائري نفسه اليوم أمام منعطف تاريخي خطير. فإرسال الجنود إلى رمال النيجر المتحركة، وفي مواجهة قوات ليبية شرسة تنتظر على خط التماس، لا يبدو استراتيجية أمنية رصينة بقدر ما يبدو مقامرة سياسية وعسكرية قد تفتح على الجزائر أبواب جحيم صحراوي يصعب إغلاقه، وتؤكد أن تصدير الأزمات إلى الخارج لم يعد كافياً للتغطية على الإخفاقات الاستراتيجية بالمنطقة.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *