خلف سطور الدم.. حين تكتب وجدة حكاية أخرى للمعنى

خلف سطور الدم.. حين تكتب وجدة حكاية أخرى للمعنى

ليست كل الحكايات كما تبدو، ولا كل الحقائق تقف عند حدود ما نراه. يستمد من هذه المنطقة الملتبسة بين الظاهر والخفي عنوان “خلف سطور الدم” قوته الإيحائية، معلنا عن عمل أدبي يدعو القارئ إلى تجاوز السطور بحثا عما تخبئه الحكايات.

عبد الرحيم باريج

موعد في قلب عاصمة الشرق للكتاب

ضرب ذ.عبد القادر بوراص موعدا مع قرائه، في رحاب الدورة السادسة لمعرض الكتاب “آداب مغاربية” بوجدة، من خلال حفل توقيع مجموعته القصصية الجديدة “خلف سطور الدم”.

المعرض الذي افتتح مساء الثلاثاء 27 أكتوبر بساحة الملعب الشرفي ويتواصل إلى فاتح نونبر 2026، تحت شعار “لنبدع عالماً مشتركاً”، ليس مجرد منصات لعرض المؤلفات، بل جسور تصل المبدع بجمهوره، وتمنح الكتاب فرصة الإنتقال من عوالمه الخاصة إلى الفضاء العام، حيث تتعدد القراءات وتلتقي التجارب.

وتراهن هذه الدورة، كما أكد مدير قطب التنمية بوكالة تنمية أقاليم جهة الشرق، على جعل الكتاب والفكر والحوار أدوات للإسهام في بناء عالم مشترك.

 قراءة في العتبة: سطور ودم

“خلف سطور الدم ليس مجرد عنوان يستوقف العين، بل عتبة أدبية تثير الفضول وتستدعي القراءة. ففي العنوان وحده مواجهة رمزية بين السطور، بما تحمله من رواية وشهادة، والدم، بما يختزنه من ألم وأسرار وآثار لا تمحوها الأيام بسهولة”.

يكشف التركيب اللغوي نفسه عن مشروع الكاتب، “خلف” يوحي بالمسكوت عنه والمحجوب، و”سطور” تحيل إلى الكتابة والتوثيق والشهادة، و”الدم” يحيل إلى الجسد، إلى الجريمة، إلى الألم الإنساني الذي لا يُمحى. العنوان إذن ليس زخرفة بل بيان جمالي، سنقرأ ما لم يُكتب، وسنسمع ما لا يُقال.

قراءة في المجموعة: أدب ينبش في المسكوت عنه

يستمد هذا العمل قصصه من صلب الواقع المغربي، مستحضرا حكايات تنفذ إلى أعماق المجتمع، وتقترب من أسراره المقفلة وجرائمه الخفية.

تتجلى هنا وظيفة القصة القصيرة عند بوراص، الصحفي الذي خبر دهاليز الوقائع، والأديب الذي لا يكتفي بنقلها:

أولا، من الحادثة إلى الدلالة، ذ.بوراص لا يكتب تقريرا صحفيا متخفيا في ثوب قصة، بل يحول الواقعة – جريمة عائلية، انتقام صامت، نزاع على أرض، خيانة في الظل – إلى سؤال وجودي. الدم عنده ليس حدثا جنائيا فحسب، بل أثر يترك ندبته في الذاكرة الجمعية.

ثانيا،شعرية القلق، لغته مكثفة، مشهدية، تقترب من السينما. يترك فراغات مقصودة بين السطور، ليملأها القارئ. وتتجلى هنا إحدى وظائف الأدب الحقيقية، ألا يكتفي بنقل ما يحدث بل أن يفتح أمامنا باب التساؤل عما يقف وراء الأحداث.

ثالثا، الإنسان في مواجهة ظله، شخصيات المجموعة ليست أبطالا ولا أشرارا خالصين. هم أناس عاديون، دفعتهم الهشاشة، الفقر، الكبرياء الجريح، أو الصمت الطويل، إلى عبور الخط. يمنحهم ذ.بوراص حق الكلام بعد أن أدانهم المجتمع، ويصغي إلى ما خلف اعترافاتهم.

رابعا، وجدة كفضاء أخلاقي، المدينة الحدودية بذاكرتها وتعددها، حاضرة كخلفية لا كديكور. هي مرآة لمغرب عميق، حيث تلتقي الحداثة المتعثرة بالتقاليد الصلبة، وحيث يظل الدم رابطا وعبئا في آن.

فالأدب الذي ينطلق من الواقع لا يكون مجرد مرآة تعكسه، بل قد يصبح وسيلة لإعادة قراءته وفهم تعقيداته. وحين تختار القصة أن تنبش في المسكوت عنه، فإنها لا تبحث عن الإثارة وحدها، بل تضع القارئ أمام أسئلة المجتمع والإنسان.

محطة جديدة في مسار مثابر

يمثل إصدار “خلف سطور الدم” إضافة أخرى إلى خزانة ذ.بوراص الأدبية، ومحطة جديدة في مساره الإبداعي. فالكاتب لا يقاس عطاؤه بعدد الكتب التي يصدرها فحسب، بل بما يراكمه من تجارب، وما يفتحه من آفاق أمام القارئ، وبقدرته على تحويل الحكاية إلى سؤال، والكلمة إلى أثر يتجاوز لحظة القراءة.

وكل إصدار جديد هو، في جانب منه، تجديد للعهد بين الكاتب والقلم، وبين التجربة وصاحبها، وبين النص وقرائه.

إن أجمل ما يمكن أن يحققه الكاتب هو أن يجعل كلماته تعيش في ذاكرة قرائه. والكتابة الحقيقية لا تكتفي بأن تحكي ما جرى، بل تدعونا إلى اكتشاف ما ظل مختبئا خلف السطور.

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *