التمور الجزائرية.. ألف صوت انتخابي في مواجهة المصالح الاستراتيجية للمغرب؟
.لم يعد استيراد التمور الجزائرية إلى المغرب مجرد عملية تجارية لتغطية حاجيات السوق الوطنية، بل تحول إلى ملف يثير تساؤلات سياسية واقتصادية تتجاوز حدود المبادلات التجارية، خصوصا مع بروز معطيات بشأن التحولات الانتخابية في مناطق بني درار وبني خالد، وتزامنها مع نقاش حكومي حول ضرورة ضبط واردات التمور وفق اعتبارات تتصل بالسياسة الخارجية والمصالح الاستراتيجية للمملكة.
وتكتسب القضية أهمية خاصة بالنظر إلى التصريحات التي أدلى بها وزير الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية، خالد حاتيمي، بمدينة أرفود، والتي أكد فيها أن استيراد التمور ينبغي أن يخضع لتأطير يحدد الجهات المستوردة والكميات ومصادر التوريد، مشددا على أن الاستيراد يجب أن يتبع السياسة الخارجية للمغرب، وأنه لا يمكن استيراد أي منتوج من أي بلد دون مراعاة المصالح الوطنية.
هذه التصريحات تضع الوزير المنتدب المكلف بالتجارة الخارجية، عمر حجيرة، أمام سؤال سياسي ومؤسساتي واضح: كيف ستتم الموازنة بين تدبير الواردات وتعزيز الصادرات المغربية، وما مدى انسجام القرارات المرتبطة باستيراد التمور الجزائرية مع التوجه الذي أعلنه وزير الفلاحة؟
وتزداد حساسية هذا السؤال عند استحضار المعطيات المرتبطة بمنطقتي بني درار وبني خالد، اللتين ينحدر منهما عدد من كبار تجار التمور الجزائرية، حيث تشير المعطيات المتوفرة إلى حصول عمر حجيرة على نحو ألف صوت خلال الانتخابات الأخيرة، بعدما كان حزب الاستقلال لا يحصد في السابق سوى أقل من عشرين صوتا بالمنطقتين.
ويطرح هذا التحول اللافت تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الامتدادات التجارية والرهانات الانتخابية، ومدى تأثير المصالح المرتبطة بتجارة التمور في المواقف السياسية المتعلقة بالاستيراد. كما يفتح الباب أمام مساءلة حدود الفصل بين المسؤولية الحكومية والحسابات الانتخابية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بملف تتداخل فيه اعتبارات الاقتصاد الوطني مع التوازنات الجيوسياسية.
ولا تتوقف أبعاد القضية عند مناطق الشرق، إذ تثار مخاوف بشأن توسع حضور التمور الجزائرية في السوق المغربية، وصولا إلى الأقاليم الجنوبية، في ظل تداول معطيات عن علب تحمل العلم الجزائري. وتكتسب هذه المسألة حساسية إضافية بالنظر إلى السياق الإقليمي والسياسي، وما يفرضه من ضرورة الانتباه إلى أي توظيف محتمل للمنتجات التجارية في رسائل ذات أبعاد سياسية أو رمزية.
كما تطرح المعطيات المتعلقة بوجود مخطط للمخابرات الجزائرية لاستعمال تدفقات التمور نحو السوق المغربية، بما فيها الأقاليم الجنوبية، كوسيلة للتأثير الاقتصادي والرمزي، ضرورة التحقق المؤسساتي من مصادر المنتجات ومسارات توزيعها وخلفيات تسويقها، وعدم الاكتفاء بالنظر إلى هذه المبادلات باعتبارها معاملات تجارية معزولة عن سياقها الجيوسياسي.
وفي المقابل، فإن تصريحات عمر حجيرة بشأن استيراد المغرب لنحو 85 ألف طن من التمور، مقابل إنتاج وطني يناهز 177 ألف طن، أعادت طرح إشكالية التوازن بين الواردات والصادرات. فقد أكد الوزير أن الهدف يتمثل في تقليص الفجوة التجارية وتعزيز صادرات التمور المغربية، بما يسمح بتحقيق توازن أكبر في المبادلات المرتبطة بهذا المنتوج.
غير أن هذا التوجه يطرح سؤالا إضافيا حول دور وزارة التجارة الخارجية هل ينبغي أن ينصب الجهد الحكومي أساسا على فتح الأسواق الخارجية أمام المنتوج المغربي وتقوية قدراته التصديرية، أم أن تدبير الواردات سيظل خاضعا لمنطق التوازن التجاري وحده، دون استحضار جميع الاعتبارات المرتبطة بالسياسة الخارجية وحماية الاستثمارات الوطنية؟
إن تصريحات وزير الفلاحة تجعل من الضروري توحيد الرؤية الحكومية، حتى لا تتعارض القرارات القطاعية أو تتحول إلى مواقف متباينة بشأن ملف واحد. فاستيراد التمور ليس مجرد مسألة تتعلق بالعرض والطلب، بل يرتبط أيضا بمصالح الفلاحين المغاربة والاستثمارات العمومية والخاصة في الواحات، وبضرورة حماية سلسلة إنتاج وطنية تشكل رافعة اقتصادية واجتماعية مهمة.
ومن هنا، تبرز ضرورة إخراج ملف التمور المستوردة من دائرة التدبير السياسي المحلي، وإسناده إلى لجنة وزارية مشتركة تحت إشراف وزارة الداخلية، تضم القطاعات المعنية بالتجارة الخارجية والفلاحة والاقتصاد والمالية والجمارك والرقابة الصحية، تتولى دراسة مصادر الواردات ومسارات توزيعها، وتقييم انعكاساتها الاقتصادية والاستراتيجية، وضمان انسجام القرارات المتخذة مع التوجهات العامة للدولة.
فالمسألة في جوهرها لا تتعلق بمنع الاستيراد أو استهداف التجار، وإنما بضمان ألا تتحول المصالح التجارية والحسابات الانتخابية إلى محددات للقرارات التي تمس المصالح العليا للمملكة.
وفي ظل التحديات الإقليمية الراهنة، يصبح من الضروري أن تدار الملفات التجارية ذات الحساسية الاستراتيجية بمنطق مؤسساتي موحد، بعيدا عن الحسابات الانتخابية الضيقة، وبما يضمن حماية الاقتصاد الوطني وتعزيز الصادرات المغربية وصيانة المصالح العليا للدولة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على عمر حجيرة والحكومة معا هل ستكون بوصلة تدبير واردات التمور هي التوازنات التجارية والحسابات المحلية، أم التوجه الاستراتيجي الذي أعلن عنه وزير الفلاحة، والقائم على إخضاع الاستيراد لمقتضيات السياسة الخارجية والمصالح الوطنية؟

