التَّهْرِيجُ الرَّقْمِيُّ الجَزَائِرِيُّ عَلَى أَنْقَاضِ التَّارِيخِ: حِينَ تَصْبَحُ “الخَنْشَلَةُ” سخرية فرنسية… مِنَ “الكَامَامْبِير” إِلى استعراضات التَّضْلِيلِ، لما يَفْقِدُ بَعْضُ مُزْدَوِجِي الِانْتِمَاءِ بُوصَلَةَ الِاحْتِرَامِ

التَّهْرِيجُ الرَّقْمِيُّ الجَزَائِرِيُّ عَلَى أَنْقَاضِ التَّارِيخِ: حِينَ تَصْبَحُ “الخَنْشَلَةُ” سخرية فرنسية… مِنَ “الكَامَامْبِير” إِلى استعراضات التَّضْلِيلِ، لما يَفْقِدُ بَعْضُ مُزْدَوِجِي الِانْتِمَاءِ بُوصَلَةَ الِاحْتِرَامِ

عبدالقادر كتـــرة

باتت منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما “تيك توك”، مسرحاً مفتوحاً لعبثيات لا تنتهي، ومفرخةً ليوميات استعراضية يقودها أشخاص بحثاً عن الشهرة السريعة والربح المادي على حساب القضايا الكبرى.

ولعل أبرز تجليات هذا الانحدار الرقمي ما يمارسه بعض أفراد الجالية المقيمة في الخارج، وتحديداً في فرنسا، ممن أدمنوا “الكذب البواح” والتهريج الممنهج، في سلوก مشبوه بات يُعرف شعبياً واجتماعياً بسلوك “الخنشلة”؛ أي محاولة ركوب الموجة، واختلاق البطولات الوهمية، وتزييف الحقائق بغرض إثارة الجدل (Buzz).

الخنشلة الرقمية: استثمار رخيص في الذاكرة والهوية

في أحدث فصل من هذه المسرحيات الهزلية المنتشرة على الشاشات الذكية، يطل علينا أحدهم ليحول منتجاً استهلاكياً بسيطاً مثل جبن “كامامبير” التاريخي إلى مادة للاشتباك الهوياتي والسياسي، محاولاً ربط محلات تجارية استهلاكية بصراعات تاريخية واستعمارية معقدة بأسلوب طفولي فاقد لأدنى درجات الاتزان. إن هذا النمط السلوكي لا يعكس سوى حالة من الفراغ الفكري والأزمة النفسية الحادة التي يعاني منها هؤلاء الأفراد، حيث يجدون في الكذب المفضوح وافتعال الأزمات الوهمية وسيلة وحيدة للفت الانتباه وتحقيق تفاعل رخيص.

تداعيات خطيرة على صورة الجزائر والجالية

إن الخطورة في هذه الممارسات لا تكمن فقط في سخافتها الظاهرة، بل في تداعياتها العميقة التي تمتد لتسیء بشكل مباشر إلى الوعي الجمعي وإلى صورة الجزائريين في الخارج:

1- تشويه النسيج الرمزي للجالية: تُقدّم هذه النماذج مادّة دسمة لوسائل الإعلام اليمينية والمتطرفة في فرنسا وأوروبا، لتكريس صور نمطية سلبية عن المهاجرين، وتصويرهم في قالب المفتعلين للأزمات والباحثين عن الصدام المجتمعي.

2- تمييع القضايا الوطنية: عندما تُختزل الذاكرة الوطنية الكبرى وتاريخ النضال المرير في استعراضات تافهة حول سلع استهلاكية، يتم إفراغ النقاشات الجادة من محتواها وتسطيح وعي الأجيال الجديدة.

3- تغذية التجييش المتبادل: يساهم هذا التهريج في تسميم الفضاء الرقمي، وخلق بيئة خصبة للكراهية والعنصرية المتبادلة، مما يزيد من عمق الهوة النفسية والاجتماعية بدل مدّ جسور التفاهم والعقلانية.

نحو وقفة مجتمعية ضد استغلال التفاهة

إن مواجهة هذه الظاهرة لا تتطلب تجاهلها فحسب، بل تستقتضي تعرية أصحابها وفضح زيف ادعاءاتهم. إن الجزائر وأبناءها الأحرار، سواء في الوطن أو في المهجر، هم أرفع بكثير من أن يتم اختزالهم في سلوكيات طائشة يقودها باحثون عن الأضواء على حساب الكرامة والصدق.

لقد أثبت “سلوك الخنشلة” أن الخطر الحقيقي لا يأتيني فقط من الخصوم التقليديين، بل أحياناً من الداخل الرقمي الهش الذي يبيع الوهم باسم الهوية. ولن يتحصن المجتمع إلا بترسيخ ثقافة النقد الواعي، وتجاهل الأصوات النشاز التي لا تقيم وزناً للحقيقة، ولا تحترم عقول المتابعين.

فيديو للمشاهدة

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *