بُوعَلَامْ صَنْصَالْ يَفْتَحُ جِرَاحَ التَّارِيخِ وَالسِّيَاسَةِ: ظُلْمُ الزِّنْزَانَةِ وَمُلَاحَقَةُ رَئِيسِ الْجُمْهُورِيَّةِ دَوْلِيّاً… حِينَ تُصْبِحُ الْحَقِيقَةُ الْجُغْرَافِيَّةُ “خِيَانَةً عُظْمَى”
عبدالقادر كتـــرة
في زمن تضيق فيه المساحات المتاحة لحرية التعبير وتُحاصر فيه الكلمة الحرة بالحديد والنار، يعود الكاتب الجزائري الحامل للجنسية الفرنسية، بوعلام صنصال، ليضع أصبع الجرح على أزمات الجزائر المزمنة مع التاريخ والسياسة.
خرجة إعلامية جديدة أطلها عبر قناة “دويتشه فيله” الألمانية، لم تكن مجرد حوار عابر، بل كانت بمثابة إعلان حرب قانونية وسياسية مفتوحة ضد رأس الهرم في السلطة الجزائرية، وتوثيقاً صارخاً لواحد من أمعن فصول الظلم والقمع المارَس ضد الأصوات المخالفة في بلد يحكمه العسكر بروح الإقصاء والريبة.
التاريخ حين يُقرأ.. والحدود حين تُستغل
لم يأتِ إثارة صنصال لملف الحدود التاريخية ومدن مثل تلمسان ومغنية وغرب الجزائر من فراغ، بل جاء ليلامس العصب الحساس لنظام سياسي يعاني من أزمة شرعية عميقة ويستمد بقاءه من تغذية الخوف وصناعة العداء الوهمي، لا سيما مع الجارة المغرب.
فعندما يعيد الكاتب التذكير بأن تلك المناطق كانت مرتبطة تاريخياً بالمغرب قبل أن يعيد الاستعمار الفرنسي رسم الخريطة، فإنه لا يقوم سوى باستدعاء وقائع أرشيفية لا يعترف بها النظام الجزائري الذي اتخذ من الحدود الموروثة عن الاستعمار عقيدة مقدسة.
لكن الكارثة لم تكن في مجرد إبداء رأي تاريخي، بل في تحويل هذا الرأي إلى “جريمة كبرى” تستوجب التنكيل والسجن.
الإدانة السياسية المسبقة: حين يغيب القانون ويحكم الجنرال
الظلم الأكبر الذي يسلط عليه صنصال الضوء اليوم، ويتوعد بمقاضاة الرئيس عبد المجيد تبون بشأنه أمام المحاكم الدولية، هو تلك البشاعة التي طبعت مسار اعتقاله ومحاكمته. لقد تعرض صنصال لعملية “اغتيال معنوي” وسياسي غير مسبوقة، حيث تم الطعن في شرفه وشرف والدته وإدانته علنياً من طرف رئيس الجمهورية وتصريحات رأس الدولة، قبل حتى أن تكتمل التحقيقات أو يقول القضاء كلمته.
هذه السلوكيات تكشف الوجه الحقيقي لنظام يُدير البلاد بمنطق الثكنات؛ فالقضاء ليس سوى أداة طيعة لتنفيذ تعليمات السلطة الفعلية (العسكر)، وكل صوت يجرؤ على خدش الصورة المثالية الوهمية التي يروّجها النظام، يتحول بين عشية وضحاها إلى “خائن للوطن” و”عامل أجندات خارجية”.
إن الإدانة بالسجن خمس سنوات لم تكن سوى ترجمة عملية لغضب السلطة من كاتب رفض أن يستقيل من وعيه، ودفع ثمن مقاربته لتاريخ المنطقة من حريته داخل زنزانة معتمة.
كتاب “الأسطورة”: توثيق للمحنة ورفض للاستسلام
عبر كتابه الجديد المعنون بـ “الأسطورة”، لا يحاول صنصال فقط سرد تفاصيل عام كامل قضاها خلف الأسوار انتهت بعفو رئاسي مشروط توسطت فيه برلين لأسباب إنسانية، بل يسعى إلى إدانة منظومة متكاملة من الاستبداد والقمع. كما أن تمسكه بمواقفه السابقة، بما فيها زيارته المثيرة للجدل لإسرائيل ونقاشه للقضية الفلسطينية، يعكس رجلاً اختار أن يخوض معركته حتى النهاية، بغض النظر عن كلفة العزلة التي قد تفرضها عليه مواقفه في محيطه المغاربي والعربي.
التداعيات الدبلوماسية: أزمة جديدة تلوح في أفق العلاقات مع برلين وباريس والاتحاد الأوروبي
لا شك أن إقدام كاتب يحمل الجنسية المزدوجة ومقره الاجتماعي والسياسي الحالي في ألمانيا على خطوة غير مسبوقة تتمثل في ملاحقة رئيس دولة أجنبية قضائياً، يضع الدبلوماسية الأوروبية والجزائرية أمام اختبار معقد للغاية:
– العلاقة مع ألمانيا (معضلة الوساطة واللجوء): لعبت برلين دوراً محورياً عبر وساطة إنسانية قادت إلى إطلاق سراح صنصال. إن تحرك صنصال قضائياً من داخل الأراضي الألمانية سُينظر إليه في الجزائر بريبة بالغة، وقد تعتبر الجزائر أن احتضان ألمانيا لشخص يشن حرباً قضائية ضد رأس هرم الدولة يتنافى مع روح التعاون الدبلوماسي؛ مما قد يفرض ضغوطاً على برلين بين مطرقة احترام حرية التعبير وسندان مصالحها الاستراتيجية مع الجزائر.
– العلاقة مع فرنسا (حساسية مزدوجة الجنسية والذاكرة): نظراً لحمل صنصال الجنسية الفرنسية وكونه وجهاً بارزاً في المشهد الثقافي الباريسي، فإن أي تحرك قانوني له في المحاكم الأوروبية أو الفرنسية سيعيد تأجيج التوتر الدائم بين باريس والجزائر، التي تحمل حساسيات مفرطة تجاه أي تعاطٍ فرنسي مع قضايا معارضيها.
– صورة الاتحاد الأوروبي ومعايير حقوق الإنسان: على الصعيد الأوروبي الأوسع، تضع هذه القضية المؤسسات الأوروبية في حرج دائم؛ إذ تعكس تناقضاً مستمراً بين المصالح الاقتصادية والأمنية للاتحاد مع الجزائر وبين الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان، مما يجعل من قضية صنصال رمزاً حقوقياً تضغط من خلاله المنظمات الدولية.
وسواء اتفق المرء أو اختلاف مع أفكار بوعلام صنصال، فإن جوهر القضية يتجاوز شخص الكاتب إلى طبيعة نظام يعجز عن مواجهة الحجة بالحجة، فيلجأ إلى القمع، والتشهير، والطعن في الشرف، وتوظيف أجهزة الدولة لتصفية الحسابات مع المثقفين.
خاتمة: العدالة المؤجلة
إن تلويح بوعلام صنصال بملاحقة الرئيس تبون قضائياً يوجه ضربة موجعة لصورة النظام الجزائري في الخارج. إنه يذكر العالم بأن خلف واجهات الخطابات الثورية والشعارات البراقة، توجد دولة بوليسية تبتلع أبناءها لمجرد أنهم مارسوا حقهم في التفكير والتعبير. ولن يمحو الزمن آثار هذا الظلم، بل سيبقى شاهداً على عجز نظام عن مواجهة التاريخ بالحقيقة، فواجهه بالسجن والبهتان.

