صَفْعَةُ مَدْرِيدَ لِتَبُّونَ بِتَأْجِيلِ الْقِمَّةِ الثُّنَائِيَّةِ: تَبَدُّدُ أَوْهَامِ الْمُقَايَضَةِ وَسُقُوطُ أَوْرَاقِ الضَّغْطِ الدِّبْلُومَاسِيِّ… كَيْفَ حَصَّنَتِ الشَّرَاكَةُ الْمَغْرِبِيَّةُ-الإِسْبَانِيَّةُ نَفْسَهَا ضِدَّ مُنَاوَرَاتِ الْجَزَائِرِ؟

صَفْعَةُ مَدْرِيدَ لِتَبُّونَ بِتَأْجِيلِ الْقِمَّةِ الثُّنَائِيَّةِ: تَبَدُّدُ أَوْهَامِ الْمُقَايَضَةِ وَسُقُوطُ أَوْرَاقِ الضَّغْطِ الدِّبْلُومَاسِيِّ… كَيْفَ حَصَّنَتِ الشَّرَاكَةُ الْمَغْرِبِيَّةُ-الإِسْبَانِيَّةُ نَفْسَهَا ضِدَّ مُنَاوَرَاتِ الْجَزَائِرِ؟

عبدالقادر كتـــرة

لم يكن تسريب قرار الحكومة الإسبانية بتأجيل القمة الثنائية رفيعة المستوى مع الجزائر إلى أجل غير مسمى مجرد تفصيل بروتوكولي في الأجندات الدبلوماسية؛ بل شكل صفعة صريحة ومباغتة لرئاسة عبد المجيد تبون والمؤسسة العسكرية الحاكمة خلفها.

فالقمة التي روّجت لها الماكينة الإعلامية الرسمية في الجزائر بوصفها تدشيناً لمرحلة “تطويع” مدريد واستعراضاً لنفوذ إقليمي متجدد بعد انتخابات سبتمبر، تلاشت بقرار أحادي من قصر “المونكلوا”، تاركة النظام الجزائري في حالة ارتباك صامت تكشف عمق التراجع في قدرته على المناورة الإقليمية.

من الاستعراض الهجومي إلى الشلل الصامت

لفهم فداحة المشهد الراهن، تجدر المقارنة بين رد فعل الجزائر عام 2022 وسلوكها اليوم. حين أعلنت إسبانيا دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي المغربية للصحراء في مارس 2022، لجأ النظام الجزائري إلى كل أدوات التصعيد الراديكالي: سحب السفير فوراً، تجميد معاهدة الصداقة وحسن الجوار، قطع المبادلات التجارية، والتلويح بورقة إمدادات الغاز.

غير أن تلك “العاصفة الدبلوماسية” لم تسفر سوى عن هزيمة استراتيجية للجزائر؛ فقد وقفت مدريد ثابتة في موقعها، وتدخلت المفوضية الأوروبية بحزم لحماية شريكها، واضطر النظام الجزائري لاحقاً إلى إعادة سفيره إلى مدريد صاغراً دون أن تنتزع الجزائر شبراً واحداً من التراجع الإسباني.

اليوم، وبعد أن ألغت مدريد قمة أكتوبر على خلفية رفض القضاء الإسباني تسليم معارضين ورجال أعمال يطالب بهم النظام، تجد الجزائر نفسها مجردة تماماً من أي قدرة على الرد بالمثل؛ فلا مجال لسحب السفير مجدداً بعد محاولات التطبيع الشاقة، ولا قدرة على قطع العلاقات دون إعلان الإفلاس الدبلوماسي التام.

بنك أهداف فارغ: لماذا استنفدت الجزائر أوراق الضغط؟

يعكس الصمت الجزائري حقيقة موضوعية مفادها أن بنك أدوات الضغط قد استُنزف بالكامل:

– سقوط ورقة “ابتزاز الطاقة”: تدرك الجزائر أن التلاعب بإمدادات الغاز بات انتحاراً اقتصادياً قبل أن يكون ضغطاً سياسياً؛ فالعقود طويلة الأجل محمية بشروط جزائية قاسية، وإسبانيا نوّعت مصادرها الطاقية عبر الغاز المسال الأمريكي والدولي، وأي مساس بالتدفقات سيضع الجزائر في مواجهة مفتوحة ومكلفة مع الاتحاد الأوروبي بأكمله.

– الضغط التجاري المرتد: التجربة السابقة أثبتت أن قرار مقاطعة الواردات الإسبانية أضر بالمصانع والمستهلك الجزائري أكثر مما أثر على الاقتصاد الإسباني القوي والمتنوع، مما جعل العودة إلى هذه الورقة أمراً مستحيلاً عملياً.

– ورقة الهجرة واستحالة اللعب بها علناً: رغم الإشارات غير الرسمية التي تلتقطها أجهزة الأمن الأوروبية، فإن استخدام ملف الهجرة غير النظامية كورقة ضغط علنية يعرض النظام الجزائري لعقوبات أوروبية وتصنيفه كدولة غير موثوقة أمنياً، وهو ثمن لا يستطيع قصر المرادية تحمله في ظل عزلته الدولية.

الصخرة المغربية: حدود الطموح الجزائري في مدريد

الهدف الأساسي الذي بنى عليه النظام الجزائري استراتيجيته تجاه إسبانيا كان دائماً محاولة فك الارتباط الاستراتيجي بين الرباط ومدريد. كان النظام الجزائري يعتقد أن تقديم إغراءات الغاز وصفقات التجارة قد يغري حكومة سانشيز بإعادة تموضعها في قضية الصحراء المغربية.

جاء الإلغاء الأخير ليؤكد أن النظام الجزائري قصر في قراءة الأولويات الجيوسياسية لإسبانيا.

فالعلاقات المغربية الإسبانية تجاوزت الحسابات التكتيكية قصيرة الأجل؛ إنها شراكة بنيوية متجذرة في قضايا الأمن القومي ومكافحة الإرهاب، إدارة تدفقات الهجرة، المصالح الاقتصادية العابرة للمضيق، والملفات العالمية المشتركة مثل تنظيم كأس العالم 2030.

بالنسبة لمدريد، لا يمكن لأي مناورة سياسية من الجزائر أن تعوض الشراكة الحيوية مع المغرب.

نظام محاصر بأزماته الإقليمية

لا تأتي هذه الانتكاسة الإسبانية في فراغ، بل تتوج مساراً من الانكسارات الدبلوماسية المتتالية للنظام الجزائري:

1- انهيار الحزام الجنوبي: قطيعة كاملة وتوترات غير مسبوقة مع دول الساحل، تحديداً مالي والنيجر وبوركينا فاسو، التي طردت النفوذ الجزائري ورفضت وساطاته التاريخية.

2- الانسداد مع باريس: أزمة دبلوماسية عميقة ومستمرة مع فرنسا إثر اعترافها بمغربية الصحراء، مما جعل الجزائر تفقد أهم ركائزها التقليدية في القارة الأوروبية.

3- تآكل الشرعية الدبلوماسية: ظهور الجزائر كطرف متشنج يبني سياسته الخارجية على “ردود الأفعال العاطفية” بدلاً من المصالح الاستراتيجية الرصينة.

إن إلغاء قمة مدريد ليس مجرد تأجيل لموعد رسمي، بل هو مرآة عاكسة للواقع الجديد في غرب البحر الأبيض المتوسط: واقع تجد فيه الجزائر نفسها عاجزة عن فرض شروطها، مقيدة بحدود قوتها الذاتية المحدودة، ومضطرة لابتلاع الإحراجات الدبلوماسية لتفادي عزلة دولية مطبقة.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *