من «حارس الحدود» إلى «فرض الندّية»: أزمة سبتة وزلزال التحديات الهجينة في المتوسط

من «حارس الحدود» إلى «فرض الندّية»: أزمة سبتة وزلزال التحديات الهجينة في المتوسط

* بقلم الدكتور محمد بنقدور 

لم تعد مسألة الهجرة غير النظامية مجرد ظاهرة ديموغرافية أو إنسانية عابرة ناتجة عن الفوارق التنموية بين ضفتي المتوسط، بل تحولت في العقود الأخيرة إلى واحدة من أعقد أدوات الضغط وأوراق التفاوض الجيوسياسي في منظومة العلاقات الدولية المعاصرة. وتأتي أحداث التدفق الجماعي نحو ثغر سبتة المحتل لتشكل مختبراً حقيقياً ونموذجاً بارزاً لتداخل الأبعاد الأمنية، والسيادية، والقانونية بين المغرب، وإسبانيا، والاتحاد الأوروبي؛ حيث يسعى هذا التحليل الأكاديمي الموسع إلى تفكيك خلفيات الحدث بموضوعية، وتشريح مواقف الفاعلين، واستشراف التبعات الإستراتيجية العميقة لهذه الأزمة الممتدة وتأثيراتها على مستقبل الشراكة الإقليمية..

تُظهر القراءة المتأنية والعميقة لتفاصيل هذه الأزمة أن التدفقات البشرية الضخمة لم تكن وليدة تراخٍ أمني تقليدي أو ضعف في التنسيق الميداني المعتاد، بل جاءت كتجسيدٍ صريح لجيل جديد من التحديات الهجينة التي يمكن تسميتها بـ “العسكرة الرقمية العابرة للحدود”. فقد نجحت شبكات تهريب البشر الدولية، مدفوعة بأجندات معقدة، في استغلال منصات التواصل الاجتماعي وخوارزميات الحشد الافتراضي لشن حملات تضليلية ممنهجة وواسعة النطاق، مستهدفة الهشاشة النفسية والاجتماعية والاقتصادية لشرائح عريضة من الشباب والقاصرين؛ هذا التحول البنيوي نقل نمط الهجرة من محاولات تسلل فردية سرية التي يمكن احتواؤها كلاسيكياً، إلى اندفاعات جماعية علنية ومكتظة تتدفق في آن واحد، مما يضع أجهزة إنفاذ القانون أمام معضلة أمنية وأخلاقية بالغة التعقيد، إذ يصبح معها إعمال القوة المفرطة لصد هذه الأمواج البشرية أمراً مستحيلاً ومرفوضاً دولياً لما يترتب عليه من كلفة حقوقية وإنسانية باهظة.

وفي خضم هذه المعضلة المركبة، تتقاطع مواقف الأطراف بين الحسابات السيادية الضيقة والمصالح السياسية الكبرى، حيث ينطلق الموقف المغربي من معادلة ديبلوماسية غاية في الدقة والرزانة، تحاول التوفيق بين الالتزامات الدولية للمملكة وشراكتها الإستراتيجية مع القارة الأوروبية، وبين الرفض القاطع للعب دور نمطي تم اختزاله تاريخياً في وظيفة “حارس الحدود الذاتي” أو الدركي الشرفي الذي يحمي رفاهية الحصن الأوروبي دون الحصول على مقابل سياسي وتنموي مكافئ ومستدام. ورغم أن الرباط أثبتت مراراً وفاءها المطلق بالاتفاقيات الأمنية المشتركة، وهو ما تجسد ميدانياً في إحباط آلاف محاولات الاختراق المعقدة وإعادة استقبال مواطنيها طوعاً، إلا أن صناع القرار في المغرب باتوا مقتنعين بأن المقاربة الأوروبية تظل مقاربة أمنية قاصرة وعاجزة، كونها تسعى فقط لعلاج الأعراض بدلاً من الداء، وتتجاهل الجذور التنموية العميقة للأزمة في دول المصدر، فضلاً عن تعاميها المتعمد عن التناقض الجغرافي والسياسي الصارخ المتمثل في استمرار وجود ثغور مستعمرة فوق التراب الوطني المغربي في قرننا الحالي.

على الجانب الآخر من الحدود، يتكشف المشهد السياسي الإسباني عن حالة من الاستقطاب الحاد والارتباك الهيكلي الذي ينعكس مباشرة على كيفية إدارة ملف سبتة؛ فبينما تحاول حكومة مدريد تبني مقاربة واقعية برغماتية مدفوعة بإدراكها التام بأن أمنها القومي واستقرارها الاقتصادي معلقان كلياً بمدى التنسيق الوثيق واليومي مع الرباط ـ وهو ما جعل خطابها الرسمي يميل للهدوء وتجنب توجيه اتهامات مباشرة للمغرب بالحشد العمدي ـ نجد أن المعارضة اليمينية والمحافظة المتطرفة تسارع إلى توظيف المأساة الإنسانية كأداة للضغط الداخلي وتصفية الحسابات الحزبية، واصفة التدفقات البشرية بعبارات تصعيدية مثل “الغزو” أو “التهديد الوجودي” بهدف دغدغة مشاعر الناخبين وتحقيق مكاسب انتخابية ضيقة على حساب العلاقات الإستراتيجية بين البلدين.

أما الاتحاد الأوروبي، فيبدو موقفه متأرجحاً وأزوما بين الترسانة القانونية الجامدة والقصور الإستراتيجي الواضح؛ فهو في الوقت الذي يسارع فيه لإبداء تضامن سياسي ومؤسساتي لحفظ تماسك كتلته واصفاً حدود سبتة بأنها حدود خارجية لأوروبا، يعاني من عجز هيكلي مزمن يجعله يفضل دائماً إلقاء عبء اللوم وتصدير الأزمات إلى دول الطوق والعبور، بدلاً من امتلاك الشجاعة السياسية لبلورة ميثاق أوروبي جديد وشامل يوازن بصدق بين التدابير الحمائية وبين ضخ استثمارات تنموية حقيقية وضخمة ترقى لمستوى التحديات.

ويتجلى البعد الأكثر تعقيداً وحساسية في هذه الأزمة عند فحصها من منظور القانون الدولي وحقوق الإنسان، وتحديداً ما يرتبط بالوضعية القانونية الشائكة للقاصرين الأجانب غير المصحوبين بذويهم الذين شكلوا كتلة وازنة من المتدفقين؛ إذ يضع هذا الملف الالتزامات الدولية لإسبانيا والاتحاد الأوروبي على المحك أمام مقتضيات اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1989 بشأن حقوق الطفل والميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان. فالقانون الدولي يفرض بصرامة تفعيل مبدأ “المصلحة الفضلى للطفل”، ويحظر بشكل مطلق عمليات الطرد الجماعي أو الترحيل الفوري المباشر دون فتح مساطر قضائية وإدارية فردية وبحث دقيق لكل حالة على حدة للتأكد من شروط السلامة واللم الشمل العائلي الآمن، مما جعل السلطات الإسبانية في مواجهة طعون قانونية وإدانات من منظماتها الحقوقية الداخلية قبل الدولية، كاشفاً عن فجوة قانونية وأخلاقية عميقة بين الرغبة في التخلص السريع من العبء الديموغرافي للاقتحام وبين قيود الشرعية الدولية والالتزامات الحقوقية المبرمة. وفي مقابل هذا التردد والارتباك القانوني والأمني الغربي، يتجلى بوضوح تباين عميق وشاسع في مستويات الأداء السياسي والدبلوماسي بين ضفتي المتوسط، حيث بدت هشاشة الموقف الإسباني والأوروبي شاخصة في شكل ارتباك ميداني حاد وفراغ إستراتيجي عجز عن استيعاب هجوم رقمي وثغرة قانونية فاجأت خطوط الدفاع التقليدية؛ هذا الارتباك تحول سريعاً في مدريد وبروكسل إلى استجابات انفعالية غلبت عليها نبرة المظلومية السياسية والاختباء خلف شعارات “أمن الحدود المشتركة” لحجب ممارسات الترحيل الفوري المثيرة للجدل. وفي المقابل تماماً، أبان الموقف المغربي عن قوة تفاوضية ورزانة إستراتيجية بالغة النضج، تجسدت في إدارة خيوط الأزمة المعقدة بثبات وهدوء تام بعيداً عن التشنج الإعلامي والسقوط في فخ السجالات السياسوية، مع التمسك الصارم برؤيته السيادية الشاملة والتعامل مع التدفقات كمسؤولية أمنية منضبطة تلتزم بالمعايير الإنسانية، وتأكيد جاهزيته للتعاون في ملف القاصرين وفق القنوات الدبلوماسية الرسمية والمساطر القانونية الواضحة التي تحفظ كرامة رعاياه، مما رسخ جدارة الرباط كفاعل إقليمي مركزي وازن لا يمكن تجاوزه أو فرض الإملاءات عليه، بل كطرف يمتلك زمام المبادرة والقدرة على إعادة صياغة شروط اللعبة الجيوسياسية في المنطقة وقواعد الاشتباك الدبلوماسي مع القوى الدولية.

بناءً على هذه المعطيات المتشابكة، فإن هذه الأزمة ستحمل بلا شك جملة من التبعات الإستراتيجية الهيكلية التي ستعيد هندسة العلاقات الأورو-متوسطية في المنظور القريب والبعيد؛ وتأتي في مقدمة هذه التبعات ضرورة إعادة صياغة عقيدة الشراكة الشاملة وفق معادلة جديدة تقوم على الندية التامة وتحقيق الأمن من خلال التنمية، إذ لن يقبل المغرب مستقبلاً بالاستمرار في استنزاف موارده الذاتية لتحمل العبء الأمني الأكبر للأزمة دون شروط تفضيلية واضحة تشمل فتح مسارات حقيقية للهجرة الشرعية، والاعتراف الصريح بمصالحه العليا وحقوقه التاريخية. وتتمثل التبعية الثانية في الاعتراف بالكتلة البشرية المندفعة كوسيلة ضغط جيوسياسي غير متناظرة وقادرة على إحداث شلل مؤقت في البنى الأمنية المتطورة، مما يستدعي حلولاً جذرية لا أمنية فقط؛ أما التبعية الثالثة والأكثر عمقاً فهي التدويل المتزايد لملف الثغور الشمالية للمملكة، فالإصرار الإسباني والأوروبي على صبغ سبتة ومليلية بالهوية الأوروبية الخالصة يقابله إصرار مغربي مضاد على إبقاء هذا الملف التاريخي حياً ومفتوحاً كعنوان لجيب جغرافي شاذ لا يستقيم ومفاهيم السيادة

في عالم ما بعد الاستعمار.

وفي الختام، تؤكد أحداث سبتة ومواقف الأطراف المتباينة أن المقاربات الأحادية الجانب أو القائمة على منطق تبادل الاتهامات وتصدير الأزمات قد استنفدت كامل أغراضها ولم تعد صالحة لإدارة جغرافيا مشتركة، وأن الحقيقة الموضوعية تفرض اليوم على إسبانيا والاتحاد الأوروبي الخروج من قوقعة عقلية الحصن والملاذ الآمن، والاعتراف الصريح بأن أمن واستقرار جنوب القارة العجوز مرتبط ارتباطاً بنيوياً وعضوياً باستقرار وازدهار دول شمال إفريقيا وتنميتها، مع ضرورة الالتزام بالمواثيق الدولية لحقوق الطفل بعيداً عن الحلول الترقيعية. وبالمقابل، تظل دول العبور كالمغرب في حاجة مستمرة إلى تطوير وتحديث آلياتها الاجتماعية والاقتصادية والرقمية لتحصين فئاتها الهشة ومنع استغلالها من طرف شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، تمهيداً لبناء نظام إقليمي جديد ومتوازن ينهض على المسؤولية المشتركة الحقيقية والاحترام المتبادل للمصالح السيادية، بدلاً من الارتهان للتسويات السياسية المؤقتة التي سرعان ما تنهار أمام أول اختبار ميداني أو قانوني.

* استاذ التعليم العالي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *