عَلَى ظَهْرِ مِدْرَعَةٍ إِمَارَاتِيَّةٍ.. قَادَةُ الْجَزَائِرِ يَقْطَعُونَ الْعَلَاقَاتِ فِي ذُرْوَةِ “التَّخَبُّطِ الْمِزَاجِيِّ”… مِدْرَعَةُ “نِمْرٍ” تَفْضَحُ الْمَسْتُورَ: حِينَ تَمْتَطِي “الْقُوَّةُ الضَّارِبَةُ” إِنْجَازَاتِ مَنْ تُعَادِيهِمْ!

عَلَى ظَهْرِ مِدْرَعَةٍ إِمَارَاتِيَّةٍ.. قَادَةُ الْجَزَائِرِ يَقْطَعُونَ الْعَلَاقَاتِ فِي ذُرْوَةِ “التَّخَبُّطِ الْمِزَاجِيِّ”… مِدْرَعَةُ “نِمْرٍ” تَفْضَحُ الْمَسْتُورَ: حِينَ تَمْتَطِي “الْقُوَّةُ الضَّارِبَةُ” إِنْجَازَاتِ مَنْ تُعَادِيهِمْ!

عبدالقادر كتـــرة

يقال إن “الصورة تغني عن ألف كلمة”، ولكن في الحالة الجزائرية، تبدو الصورة كافية لفضح آلاف التناقضات.

ففي مشهد سريالي بامتياز، وثقته وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية خلال استعراض 5 جويلية (يوليو)، يظهر كبار ضباط المؤسسة العسكرية ورئيس الدولة وهم يحيون الجماهير من على ظهر مدرعة عسكرية مكشوفة.

هذه المدرعة، التي يُراد لها أن تكون رمزاً لـ”القوة الضاربة” والسيادة الوطنية، ليست في الحقيقة سوى مدرعة “نمر” (NIMR)، فخر الصناعة العسكرية لدولة الإمارات العربية المتحدة، والتي يتم تجميعها في الجزائر ضمن شراكة استراتيجية بين البلدين.

هذه الصورة لم تكن لتثير الانتباه لولا التطورات الأخيرة، حيث أقدم النظام الجزائري، في خطوة فاجأت المراقبين وأثارت سخرية المتابعين، على قطع علاقاته الدبلوماسية مع نفس الدولة التي هندست وصممت الآلة التي تحمي قادته وتمثل عصب قواته البرية.

انفصام استراتيجي أم نزوة طفولية؟

لا يمكن وصف قرار قطع العلاقات مع أبوظبي، والتصعيد الإعلامي والسياسي المجاني ضدها، إلا بخطوة “مزاجية” بامتياز.

في العرف الدبلوماسي للدول الرزينة، تُبنى القرارات الاستراتيجية على دراسات عميقة للمصالح العليا وتقييم للخسائر والمكاسب. أما في الجزائر، يبدو أن الدبلوماسية أصبحت تدار بمنطق “النزوات الطفولية” وردود الفعل الارتجالية، حيث يتم هدم شراكات اقتصادية وعسكرية استراتيجية (كمصنع خنشلة لتركيب المدرعات الذي يعتمد كلياً على التكنولوجيا وقطع الغيار الإماراتية) بجرة قلم، وبلا أي مبرر منطقي.

إن ركوب قادة دولة تتغنى بـ”النيف” (الأنفة) والسيادة، لمدرعة إماراتية في نفس الوقت الذي تخوض فيه آلتهم الإعلامية حرباً دونكيشوتية ضد الإمارات، يعكس حالة من الانفصام السياسي.

كيف يمكن لدولة أن تقنع شعبها بأنها مستهدفة من طرف “عدو خارجي”، بينما قادتها يأتمنون أرواحهم داخل دروع صنعها هذا “العدو” المزعوم؟

شارع مصدوم يبحث عن الأسباب الحقيقية

الأكثر إثارة في هذه الأزمة المفتعلة، هو رد فعل الشارع الجزائري نفسه. فالمواطن الجزائري، الذي أثقلته الطوابير اليومية والمشاكل الاقتصادية، استقبل هذا القرار بكثير من الاستهجان والغضب المكتوم. النخب الجزائرية والمواطنون العاديون لا زالوا، حتى اللحظة، يبحثون عن الأسباب الحقيقية والمقنعة لهذه القطيعة.

الرواية الرسمية التي تتحدث عن تدخلات أو مؤامرات لم تعد تنطلي على أحد. الشارع يدرك جيداً أن هذه الدبلوماسية الانفعالية هي سياسة “هروب إلى الأمام”.

ففي كل مرة يشتد فيها الخناق الداخلي على السلطة، أو تفشل في إدارة ملف إقليمي، تسارع إلى اختلاق “عدو خارجي” جديد. بالأمس كان المغرب، ثم إسبانيا، ثم مالي والنيجر، واليوم جاء الدور على الإمارات.

يتساءل الجزائريون اليوم بمرارة: متى نتوقف عن معاداة الجميع؟ وهل أصبح خلق الأزمات هو الإنجاز الوحيد للدبلوماسية الجزائرية؟ إن قطع العلاقات مع دولة تعتبر من أكبر المستثمرين المحتملين، وفي قطاعات حساسة كالموانئ والصناعات الميكانيكية، هو طعنة في ظهر الاقتصاد الجزائري المتعثر أصلاً، ورسالة طرد صريحة لأي مستثمر أجنبي يفكر في دخول بيئة لا تحكمها القوانين بقدر ما تحكمها أمزجة الجنرالات.

خلاصة القول، إن السيادة الحقيقية لا تُصنع بالشعارات الرنانة، ولا بتخوين الحلفاء والأشقاء والقطيعة العشوائية مع المحيط الإقليمي والدولي.

السيادة تُبنى باقتصاد قوي، وقرار سياسي مستقل غير مرتهن للمزاجية، ودبلوماسية تبني الجسور بدل تفخيخها. طالما استمرت القيادة في امتطاء منجزات الآخرين لادعاء القوة، وطالما ظلت الدبلوماسية أسيرة لنزوات قصر المرادية وثكنات بن عكنون، فإن قائمة “الأعداء الوهميين” ستستمر في التمدد، وستستمر معها عزلة الجزائر، إلى أن تجد نفسها وحيدة تماماً، تتحدث عن “القوة الضاربة” في فراغ مقفر.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *