مِنْ “جُمْهُورِيَّةِ الرِّمَالِ” إِلَى “البَاسْبُورْ رُوخُو”: كَيْفَ كَتَبَتِ البُولِيسَارْيُو نِهَايَةَ حُلْمِهَا الاِنْفِصَالِيِّ فِي مَدْرِيدَ؟… 50 عَاماً مِنَ الشِّعَارَاتِ تَنْتَهِي فِي طَابُورِ القُنْصُلِيَّةِ الإِسْبَانِيَّةِ
عبدالقادر كتـــرة
لم يدرك “عبد الله العرابي”، ممثل جبهة البوليساريو في مدريد، وهو يقف مزهواً تحت قبة البرلمان الإسباني داعماً لمشروع منح الجنسية الإسبانية للصحراويين، أنه كان في تلك اللحظة يوقع على شهادة الوفاة السياسية للمشروع الانفصالي الذي يمثله.
المشهد الذي حاول تسويقه كـ “انتصار حقوقي”، لم يكن في عمقه سوى اعتراف صريح ونهائي بإفلاس سردية استمرت لنصف قرن.
منذ عقود، بُنيت أسطورة البوليساريو على خطاب راديكالي يطالب بـ “الاستقلال التام” و”طرد المستعمر”. لكن الواقع اليوم يقدم لنا مفارقة تاريخية لا تخلو من سخرية القدر: الحركة التي رفعت السلاح من أجل “دولة مستقلة”، تقف اليوم تستجدي جواز سفر المستعمر ذاته، الذي احتل المنطقة لأكثر من تسعين عاماً.
– سقوط الأقنعة في تندوف: ما لا تدركه القيادة الانفصالية، أو تحاول تجاهله، هو ما يدور في كواليس مخيمات تندوف.
التسريبات الصوتية الآتية من هناك لا تتحدث عن انتصارات دبلوماسية، بل تعكس تنهيدة ارتياح جماعية. بالنسبة لسكان المخيمات، “الباسبور روخو” (الجواز الإسباني) ليس إنجازاً سياسياً، بل هو استراتيجية هروب من جحيم الانتظار، وطوق نجاة للخروج من واقع لجوء مزري تتاجر به قيادات مستفيدة.
– انتحار ديموغرافي للمشروع الانفصالي: ما يبدو اليوم للبعض كمكسب، هو في الحقيقة قنبلة ديموغرافية ستنفجر في قلب تندوف. حصول ساكنة المخيمات على الجنسية الأوروبية سيفتح باب هجرة جماعية نحو إسبانيا وغيرها.
وعندما تُفرغ المخيمات من ساكنتها، فباسم من ستتحدث البوليساريو؟ وكيف ستبرر الجزائر، الداعم الأساسي، احتضانها لقيادة سياسية بلا “شعب”، تبخر مشروعها بمجرد توفر تذكرة سفر قانونية نحو أوروبا؟
– المغرب الرابح الأكبر بهدوء: على الضفة الأخرى، يراقب المغرب هذا التحول بهدوء استراتيجي. فمحاولة البعض الترويج بأن هذه الجنسية قد تسحب بساط الانتماء من صحراويي الداخل هي محاولة قاصرة عن فهم الواقع.
– المغرب دولة عريقة لا تخشى تعدد جنسيات مواطنيها؛ فمئات الآلاف من المغاربة يحملون جنسيات أوروبية ويظلون شديدي الارتباط بوطنهم.
– الصحراويون في الأقاليم الجنوبية المغربية سينظرون للجواز الإسباني كمجرد وثيقة سفر لتسهيل مصالحهم الإدارية والتجارية، دون أن يغير ذلك قيد أنملة من واقع سيادة المغرب على أرضه، أو من تشبثهم بوطنهم.
خلاصة الكلام، التاريخ لا يرحم المتناقضات. عندما تتحول غاية حركة تدعي التحرر من بناء “دولة مستقلة” إلى ضمان اندماج سكانها في دولة أخرى، فاعلم أن نهاية القصة قد كتبت. البوليساريو اليوم لا تناضل من أجل العودة إلى الساقية الحمراء ووادي الذهب، بل تناضل لتأمين مقعد في طابور المهاجرين نحو شبه الجزيرة الإيبيرية.
لقد بدأ النزاع بشعارات ثورية في خيام تندوف، ويبدو أنه سينتهي بصمتٍ في قاعات انتظار الجوازات الإسبانية.

