حِينَ يَتَحَدَّثُ التَّارِيخُ أَوْ جِرَاحُ الْجُغْرَافْيَا الْمَوْرُوثَةِ: الْخَرَائِطُ الِاسْتِعْمَارِيَّةُ وَعُقْدَةُ “الدَّوْلَةِ الْأُمَّةِ” فِي الْمِنْطَقَةِ الْمَغَارِبِيَّةِ.. مِنْطَقَتُنَا تَدْفَعُ ثَمَنَ خُطُوطٍ رَسَمَهَا الِاسْتِعْمَارُ
عبدالقادر كتـــرة
عمر هلال: “الجزائر لا يمكنها استيعاب معنى الوحدة الترابية للمغرب”
قال عمر هلال، الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة، في تصريح لافت: “إن فهم مفهوم الوحدة الترابية يظل مرتبطاً، بحسب تعبيره، بعمق التاريخ الذي راكمه كل بلد.
وأضاف هلال مخاطباً نظيره الجزائري: «أخي الجزائري لا يمكنه أن يفهم معنى الوحدة الترابية، لأن بلاده لا يتجاوز عمرها 60 سنة، بينما المغرب يمتلك قروناً من التاريخ”.
وتابع متسائلاً: “أين كانت الجزائر؟ لم تكن موجودة!”، في إشارة إلى ما يعتبره المغرب امتداداً تاريخياً لوجوده كدولة، مقابل حداثة نشأة الدولة الجزائرية بصيغتها الحالية”.
في كل عام، تتحول أروقة الأمم المتحدة، وتحديداً اللجنة الرابعة، إلى مسرح لمواجهة دبلوماسية تبدو في ظاهرها مجرد سجال سياسي معتاد، لكنها في العمق تلخص أزمة وجودية تعيشها المنطقة المغاربية بأسرها. حينما صرح الدبلوماسي المغربي، عمر هلال، بأن الفهم الحقيقي للوحدة الترابية يحتاج إلى استيعاب عمق التاريخ، وأن من لا يتجاوز عمر دولته المؤسساتية ستة عقود يصعب عليه فهم عقلية “الدولة الأمة”، لم يكن يلقي مجرد حجر في بركة الدبلوماسية، بل كان يضع إصبعه على الجرح الحقيقي الذي ينزف في شمال إفريقيا: الصدام بين “التاريخ” و”الخرائط الاستعمارية”.
فخ الجغرافيا الموروثة
لفهم جذور التوتر المستمر في منطقتنا، يجب أن نعود إلى ما تركه الاستعمار خلفه. لقد رسمت القوى الاستعمارية بالمسطرة والقلم حدوداً تخدم مصالحها وإداراتها آنذاك، مقتطعة أراضي هنا وضامة أخرى هناك، دون أدنى اعتبار للروابط الثقافية، والبيعة التاريخية، والامتداد العضوي للقبائل. واليوم، نجد أنفسنا أمام مقاربتين متناقضتين تماماً؛ مقاربة تتشبث بـ “الحدود الموروثة عن الاستعمار” كعقيدة لا تقبل النقاش، لأنها الضامن الوحيد لوجودها بحدودها الحالية، ومقاربة ثانية، يمثلها المغرب، تستند إلى الشرعية التاريخية لدولة أمة لم تنقطع مؤسساتها لقرون، وتعتبر أن تصفية الاستعمار الحقيقية تعني إصلاح ما أفسدته خرائطه، لا تقديسها.
تكلفة الخرائط على حساب الإنسان
هذا الصدام ليس مجرد ترف فكري أو نقاش قانوني مكانه قاعات المحاكم الدولية؛ بل هو واقع مرير يعيشه المواطن المغاربي كل يوم. بسبب هذا التعنت في تقديس مخلفات الاستعمار لضرب الامتداد التاريخي للدول الأصيلة، تحولت المنطقة المغاربية إلى واحدة من أقل مناطق العالم اندماجاً. الحدود البرية المغلقة تقطع الأوصال الاجتماعية قبل الاقتصادية.
وحسب تقارير دولية، يكلف هذا الشلل المؤسساتي دول المنطقة خسارة تقدر بنحو نقطتين مئويتين من معدل النمو السنوي. إننا نتحدث عن ملايين من فرص العمل الضائعة، وبنى تحتية معطلة، وأسواق استهلاكية مجزأة لا تقوى على التفاوض بندية مع التكتلات العالمية الكبرى كالاتحاد الأوروبي. بدلاً من بناء قطارات سريعة تربط الدار البيضاء بالجزائر وتونس، تُهدر المليارات في سباق تسلح محموم واستنزاف أمني على طول حدود شاسعة ورخوة.
المستقبل لا يُبنى على الوهم
ختاما، إن الرسالة العميقة التي حملتها المواجهة الدبلوماسية الأخيرة في الأمم المتحدة واضحة: لا يمكن بناء مستقبل مستقر في المنطقة المغاربية بالاعتماد على سرديات تتنكر للتاريخ وتحتمي بخرائط وضعها المستعمر. إن بناء فضائنا المشترك يتطلب شجاعة سياسية للاعتراف بالحقائق التاريخية السابقة للاستعمار، والانتقال من منطق “الاستنزاف المتبادل” إلى منطق التكامل. فالتاريخ علمنا دائماً أن الجغرافيا التي تُفرض قسراً قد تصمد لعقود، لكن الشرعية المستمدة من قرون من التراكم العضوي والسيادي هي التي تنتصر في النهاية.

