تَفْكِيكُ “الأَكَاذِيبِ التَّارِيخِيَّةِ”: كَيْفَ تَبْنِي إِسْبَانِيَا وَالْمَغْرِبُ مُسْتَقْبَلَ غَرْبِ الْمُتَوَسِّطِ؟… مِنَ الْجِوَارِ الْحَذِرِ إِلَى التَّحَالُفِ الاسْتْرَاتِيجِيِّ… حِينَ يُصَحِّحُ التَّارِيخُ مَسَارَ الْجُغْرَافْيَا السِّيَاسِيَّةِ

تَفْكِيكُ “الأَكَاذِيبِ التَّارِيخِيَّةِ”: كَيْفَ تَبْنِي إِسْبَانِيَا وَالْمَغْرِبُ مُسْتَقْبَلَ غَرْبِ الْمُتَوَسِّطِ؟… مِنَ الْجِوَارِ الْحَذِرِ إِلَى التَّحَالُفِ الاسْتْرَاتِيجِيِّ… حِينَ يُصَحِّحُ التَّارِيخُ مَسَارَ الْجُغْرَافْيَا السِّيَاسِيَّةِ

عبدالقادر كتـــرة

في عصر تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، لم يعد تكرار سرديات الماضي المشحونة يخدم مصالح الدول الطامحة لبناء مستقبل مستقر. في هذا السياق، يبرز تيار قوي داخل النخبة الفكرية والسياسية في إسبانيا يدعو صراحة إلى إعادة قراءة التاريخ المشترك مع المغرب بعيداً عن العدسات الاستعمارية.

ولعل التصريحات المتداولة مؤخراً لخبراء ومؤرخين إسبان، أمثال المحامي والخبير في السياسة الدولية “جيرونيمو بايز”، والتي تدعو إلى تفكيك “الأكاذيب التاريخية” حول المغرب، تمثل تجسيداً حياً لهذا التحول العميق في العقل الاستراتيجي لمدريد.

التحرر من عبء السرديات القديمة

لعقود طويلة، ظلت العلاقات المغربية الإسبانية أسيرة سرديات تاريخية تشكلت في فترات الصراع، بدءاً من حروب الاسترداد وصولاً إلى حقبة الحماية والاستعمار.

هذه السرديات لم تكتفِ بتغييب التفاعل الحضاري العميق بين الضفتين، بل حاولت تقزيم العمق التاريخي للدولة المغربية.

اليوم، تدرك النخب الإسبانية أن استمرار تغذية الرأي العام بهذه المغالطات يقف حجر عثرة أمام بناء شراكة حقيقية.

إن خروج أصوات إسبانية وازنة لتصحيح هذه المفاهيم ليس مجرد ترف فكري، بل هو تمهيد لأرضية صلبة تبرر وتدعم التحولات السياسية الرسمية أمام الرأي العام الداخلي.

القطيعة مع الماضي: من الجوار الحذر إلى التحالف الاستراتيجي

لفهم حجم هذا التحول، يكفي أن نتأمل مسار انتقال العلاقات الثنائية من الرؤية التاريخية التقليدية إلى الرؤية الاستراتيجية المعاصرة. ففي الماضي، اتسمت العلاقة بين مدريد والرباط بكونها مجرد “جوار حذر” تحكمه الشكوك وتتخلله توترات متقطعة، حيث كانت القراءة الإسبانية للتاريخ تغلب سردية المواجهة والصراع العسكري، وتستند في مقاربتها الجيوسياسية إلى استخدام أوراق الضغط، وفي مقدمتها ملف الصحراء.

أما اليوم، ومع ترسيخ الرؤية الجديدة، فقد ارتقت هذه العلاقة لتصبح تحالفاً استراتيجياً وشراكة موثوقة. لقد حلت لغة التراث المشترك والتفاعل الحضاري محل خطابات الصراع، وهو ما انعكس بشكل مباشر وصريح على المقاربة الجيوسياسية الإسبانية.

إذ تخلت مدريد عن سياسة الضغط لصالح دعم المبادرات الواقعية وتوحيد الرؤى، وتوجت هذا المسار بموقفها التاريخي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية.

تداعيات ترسم مستقبل المنطقة

إن هذا التصالح التاريخي والموقف الإسباني الداعم للمغرب يتجاوز كونه تقارباً ديبلوماسياً عابراً، ليؤسس لواقع جيوسياسي جديد في منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا. وتتجلى أبرز تداعيات هذا المسار في النقاط التالية:

– عزل الأطروحات الانفصالية: عندما تقوم قوة بحجم إسبانيا، وهي التي تمتلك الأرشيف التاريخي الاستعماري للمنطقة، بالاعتراف بالحقائق الجغرافية والسياسية للمغرب وتفنيد المغالطات، فإن ذلك يسحب البساط نهائياً من تحت أقدام الحركات الانفصالية التي تعتمد على تزوير التاريخ والحدود.

– تشكيل جدار أمني صلب: التوافق السياسي يمهد لتعاون استخباراتي وأمني غير مسبوق. هذا التنسيق سيجعل مضيق جبل طارق والمنطقة ككل محصنة ضد التهديدات العابرة للحدود، سواء تعلق الأمر بشبكات الهجرة غير النظامية، أو التنظيمات الإرهابية، أو التدخلات الأجنبية.

– طفرة اقتصادية وتنموية: الاستقرار السياسي هو المحرك الأساسي للاقتصاد. إنهاء الخلافات يسرع وتيرة المشاريع الاستراتيجية الكبرى، وعلى رأسها الربط القاري عبر النفق البحري، والتنظيم المشترك لبطولة كأس العالم 2030، مما سيحول الضفتين إلى أكبر قطب اقتصادي ولوجستي يربط إفريقيا بأوروبا.

نحو المستقبل بخطوات عملية

إن الانتقال من التنظير التاريخي إلى اتخاذ خطوات “عملية” وبراغماتية هو ما يميز المرحلة الحالية.

إسبانيا والمغرب أدركا أن مستقبلهما مشترك بحكم الحتمية الجغرافية والتاريخية. تفكيك أكاذيب الماضي لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية لضمان الأمن والرخاء في واحدة من أهم وأعقد مناطق العالم. المنطقة اليوم لا تبني فقط علاقات جوار جديدة، بل تعيد كتابة تاريخها الحديث بلغة المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *