حَرْبُ 1973، دِمَاءٌ مَغْرِبِيَّةٌ عَلَى رِمَالِ سِينَاءَ: قِصَّةُ “التَّجْرِيدَةِ” الَّتِي عَبَرَتِ الْقَنَاةَ وَحَطَّمَتْ خَطَّ بَارْلِيفَ… سَاهَمَ أُسُودُ الصَّحْرَاءِ فِي سِينَاءَ فِي إِفْشَالِ “ثَغْرَةِ الدَّفْرَسْوَارِ”

حَرْبُ 1973، دِمَاءٌ مَغْرِبِيَّةٌ عَلَى رِمَالِ سِينَاءَ: قِصَّةُ “التَّجْرِيدَةِ” الَّتِي عَبَرَتِ الْقَنَاةَ وَحَطَّمَتْ خَطَّ بَارْلِيفَ… سَاهَمَ أُسُودُ الصَّحْرَاءِ فِي سِينَاءَ فِي إِفْشَالِ “ثَغْرَةِ الدَّفْرَسْوَارِ”

عبدالقادر كتـــرة

عندما تُذكر حرب السادس من أكتوبر عام 1973، تتجه الأنظار غالباً إلى الجيوش المطلة مباشرة على خطوط التماس. لكن صفحات التاريخ العسكري العربي تحتفظ بفصل استثنائي سطرته دماء جنود قادمين من أقصى الغرب الإسلامي؛ إنهم أبطال القوات المسلحة الملكية المغربية الذين لم يكتفوا بالقتال في الجولان السوري فحسب، بل كانوا حاضرين وبقوة على رمال شبه جزيرة سيناء المصرية، ليصنعوا واحدة من أروع صور التضامن العربي الحقيقي.

رؤية استراتيجية ووصول في صمت

لم تكن المشاركة المغربية في مصر مجرد إرسال رمزي للقوات، بل كانت نتاج قرار استراتيجي حاسم من الملك الراحل الحسن الثاني، الذي أصر على أن يكون المغرب في طليعة المواجهة على كلا الجبهتين (الجنوبية في مصر والشمالية في سوريا).

وفي ربيع وصيف عام 1973، وقبل اندلاع “عملية بدر” بأشهر، تحرك لواء مغربي متكامل يضم وحدات من المشاة الميكانيكية، والمدرعات، والفرق الهندسية والطبية، ليصل إلى مصر في سرية تامة.

هذا الوصول المبكر أتاح للجنود المغاربة الانصهار مع أشقائهم في الجيشين الثاني والثالث الميدانيين، والتدرب المكثف على خطط العبور، والتأقلم مع قسوة الصحراء.

يوم العبور: انهيار أسطورة “خط بارليف”

في ظهيرة السادس من أكتوبر، كانت القوات المغربية في الصفوف الأمامية للحظة التاريخية. ومع صيحات العبور، شاركت المدفعية والمدرعات المغربية في توفير غطاء نيراني كثيف لتمهيد الطريق أمام وحدات المشاة.

لم يتردد الجندي المغربي في خوض غمار المعركة واقتحام الساتر الترابي المنيع، مساهماً بفعالية في تحطيم تحصينات “خط بارليف” الذي طالما تفاخرت إسرائيل بأنه لا يُقهر، ليثبت المغاربة موطئ قدم راسخ في عمق سيناء.

الملحمة الكبرى: الصمود في “ثغرة الدفرسوار” إذا كان العبور انتصاراً مدوياً، فإن معركة “ثغرة الدفرسوار” كانت الاختبار الأقسى للإرادة والصلابة.

ففي منتصف الحرب، شن الجيش الإسرائيلي بقيادة “أريئيل شارون” هجوماً مضاداً وعنيفاً بهدف تطويق الجيش الثالث المصري وعزله والتقدم نحو الإسماعيلية.

في تلك اللحظات الحرجة، تمركزت التجريدة المغربية في أكثر نقاط التماس التهاباً. وهناك، دارت معارك طاحنة بالدبابات والأسلحة المضادة للدروع في أراضٍ صحراوية مفتوحة. أظهرت القوات المغربية استبسالاً أسطورياً، وتصدت للأنساق الإسرائيلية المتتالية بضراوة، مما ساهم في استنزاف قوات العدو وإفشال خطته في توسيع الثغرة وإحكام الحصار، ليُحفظ بذلك ظهر الجيش المصري وتُحمى مدن القناة.

دماء زكية واعتراف تاريخي

دفع المغرب ثمناً باهظاً لهذا الموقف البطولي، حيث ارتوت رمال سيناء بدماء عدد من خيرة أبنائه. ولا تزال مقابر الشهداء في مدينة الإسماعيلية المصرية تحتضن رفات عسكريين مغاربة اختلطت دماؤهم بدماء إخوتهم المصريين، لتظل شاهدة على وحدة المصير.

وقد ظلت هذه التضحيات محط تقدير عميق من القيادة المصرية؛ حيث أشاد الرئيس الراحل “أنور السادات” مراراً بالكفاءة القتالية العالية والانضباط الحديدي للجيش المغربي، وتم توشيح العديد من الضباط والجنود المغاربة بأوسمة الشجاعة من الدرجة الأولى.

خلاصة القول، إن دور التجريدة المغربية في حرب 1973 على الجبهة المصرية ليس مجرد تفصيل عسكري، بل هو تجسيد حي لعقيدة جيش لا يعترف بالحدود الجغرافية عندما يناديه الواجب القومي.

لقد جاؤوا من جبال الأطلس إلى صحراء سيناء، تاركين خلفهم وطناً ينعم بالأمان، ليثبتوا للعالم أن التضامن العربي لم يكن يوماً مجرد حبر على ورق، بل هو دماء تُبذل وأرواح تُرخص في سبيل الكرامة والتحرير.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *