بَيْنَ إِغْرَاءِ الْمُكَافَأَةِ وَخَطَرِ التَّصْفِيَةِ.. قَوَانِينُ جَدِيدَةٌ لِمُحَاصَرَةِ بَارُونَاتِ الْمُخَدِّرَاتِ بِالْجَزَائِرِ: الْإِبْلَاغُ عَنْ شَبَكَاتِ الْمُخَدِّرَاتِ: هَلْ تَحَوَّلَ الْمُوَاطِنُ إِلَى مُخْبِرٍ أَمْ إِلَى شُرْطِيٍّ لِلنِّظَامِ؟
في خطوة تهدف إلى تضييق الخناق على عصابات الجريمة المنظمة، أصدرت الحكومة الجزائرية (أوت 2026) مرسوماً تنفيذياً جديداً يمنح تحفيزات مالية وغير مالية للمواطنين الذين يبلغون عن شبكات تهريب المخدرات والمؤثرات العقلية.
المرسوم، الذي يشدد على سرية هوية المبلّغ ويضع تقدير المكافأة بيد السلطات الأمنية، يبدو في ظاهره خطوة متقدمة لمحاربة الآفة التي تفتك بالشباب.
لكن، وبقراءة متأنية للسياق السياسي والتاريخي القريب، يبرز تساؤل جوهري: هل تكفي هذه التشريعات لكسر حاجز الخوف لدى المواطن؟
ماضٍ يلقي بظلاله على الحاضر
لفهم حقيقة التردد الشعبي، لا يمكن تجاوز المحاكمات الكبرى التي شهدتها الجزائر في السنوات الأخيرة (مثل محاكمات 2020)، والتي كشفت عن تورط أسماء ثقيلة في الأجهزة الأمنية والعسكرية مع كبار بارونات المخدرات، في قضايا شهيرة مثل قضية “كمال البوشي” أو شبكة “زنجبيل”.
لقد أظهرت تلك المحاكمات كيف استُعملت قضايا المخدرات كأوراق ضغط لتصفية حسابات سياسية.
وإذا كان مسؤول أمني بحجم المدير العام السابق للأمن الوطني قد صرّح في المحكمة بأنه “كان مهدداً بالتصفية الجسدية” بسبب تحقيقاته، فكيف يمكن طمأنة المواطن البسيط للتبليغ عن بارون مخدرات قد يكون مسنوداً من جهات نافذة؟ هنا تكمن الأزمة الحقيقية: أزمة الثقة في اختراق مؤسسات يفترض بها أن تحمي المبلّغ لا أن تسلمه لجلاديه.
بين التشريع الجزائري والمعايير الدولية
حقوقياً، يُعد الاستعانة بالمواطنين عبر تقديم المكافآت إجراءً عالمياً تعتمده كبرى الدول لتفكيك عصابات تعمل في سرية تامة.
وقد صادقت الجزائر على اتفاقيات دولية كبرى في هذا المجال (مثل اتفاقيتي باليرمو وميريدا). وعند مقارنة التشريع الجزائري بهذه المعايير، نجد تقاطعاً في النصوص، وتباعداً في التطبيق.
الجانب المضيء قانونياً:
– إخفاء الهوية: يتيح القانون سماع الشهود والمبلغين دون كشف هوياتهم في الملفات القضائية، حيث يُشار إليهم برموز لتجنب تعرف الخصوم عليهم.
– التحفيز والإعفاء: يمنح القانون تخفيفاً أو إعفاءً من العقوبة للمشارك في الجريمة إذا بادر بالتبليغ قبل اكتشافها، مع تقديم حوافز مالية.
– الحماية الجسدية: ينص التشريع على توفير حراسة أمنية للمبلّغ وعائلته عند الضرورة.
الفجوة الهيكلية (أين يتخلف التشريع؟):
رغم جودة النصوص، تفتقر المنظومة لضمانات حاسمة تجعل التبليغ آمناً، وتتلخص في النقاط التالية:
– غياب الجهة المستقلة: في الدول الرائدة، يلجأ المبلّغ إلى هيئة مستقلة تماماً إذا خشي تورط الشرطة. في الجزائر، المواطن مجبر على التبليغ لدى نفس الأجهزة التي قد يشك في نزاهة بعض أفرادها، مما يجعل الأمر مغامرة خطيرة.
– برامج حماية الشهود الغائبة: لا تملك الجزائر برامج لتغيير هوية المبلّغ بالكامل ونقله إلى مدينة أخرى كما يحدث في مواجهة المافيا العالمية، وتكتفي بإخفاء الاسم في المحاضر.
– سيف “البلاغ الكاذب”: يخشى الكثيرون من تهمة “الوشاية الكاذبة”. فإذا لم تؤدِ معلومات المبلّغ (حسن النية) إلى إدانة، قد يجد نفسه متهماً ومتابعاً قضائياً من قبل الشخصيات النافذة التي بلّغ عنها.
الخطر المزدوج ومستقبل المجتمع
إن تطبيق هذا المرسوم في ظل غياب الثقة قد يخلق ارتياباً اجتماعياً، حيث يُخشى من استغلاله في بلاغات كيدية لتصفية حسابات شخصية.
ويبقى الشباب الجزائري هو الضحية الأكبر في هذه المعادلة؛ فهو ضحية لاستهلاك السموم التي تغرق الأحياء وترفع معدلات الجريمة، وضحية لصراعات النفوذ إذا ما سُيّست قضايا مكافحة المخدرات.
خلاصة القول، لا يمكن إنكار أن المرسوم الجديد خطوة تقنية ضرورية تنسجم مع الآليات العالمية لمكافحة الجريمة. غير أن حماية الوطن من زحف المخدرات لا يمكن أن تُرمى على عاتق المواطن الأعزل كخط دفاع أول.
إن نجاح أي قانون لحماية المبلغين يشترط هندسة مؤسساتية مستقلة، وقضاءً حراً لا يخضع لسلطة الساسة أو العسكر.
باختصار: تطهير مؤسسات الدولة وبناء ثقة حقيقية هو الشرط الأول قبل مطالبة المواطن بالتدخل لمواجهة المافيا.

