مَدْرِيدُ وَالرِّبَاطُ.. بَرَاغْمَاتِيَّةُ السِّيَاسَةِ تُطْفِئُ شَرَارَةَ التَّصْعِيدِ: تَأْجِيلُ مُثُولِ وَزِيرَةِ الدِّفَاعِ، “مَارْغَرِيتَا رُوبْلِيس”، أَمَامَ مَجْلِسِ الشُّيُوخِ…هَلْ تَغَلَّبَتْ لُغَةُ الْعَقْلِ عَلَى الْمُزَايَدَاتِ فِي إِسْبَانِيَا؟

مَدْرِيدُ وَالرِّبَاطُ.. بَرَاغْمَاتِيَّةُ السِّيَاسَةِ تُطْفِئُ شَرَارَةَ التَّصْعِيدِ: تَأْجِيلُ مُثُولِ وَزِيرَةِ الدِّفَاعِ، “مَارْغَرِيتَا رُوبْلِيس”، أَمَامَ مَجْلِسِ الشُّيُوخِ…هَلْ تَغَلَّبَتْ لُغَةُ الْعَقْلِ عَلَى الْمُزَايَدَاتِ فِي إِسْبَانِيَا؟

عبدالقادر كتـــرة

في عالم السياسة والعلاقات الدولية، غالباً ما تكون الخطوات الصامتة أكثر عمقاً وتأثيراً من التصريحات الصاخبة. هذا التوجه البراغماتي هو ما يفسر التطورات الأخيرة في المشهد السياسي الإسباني، عقب القرار المفاجئ بتأجيل مثول وزيرة الدفاع، “مارغريتا روبليس”، أمام مجلس الشيوخ لتقديم توضيحات حول محاولات العبور الأخيرة نحو مدينة سبتة المحتلة .

لم يكن هذا التأجيل مجرد إجراء بروتوكولي أو إعادة جدولة روتينية، بل كان رسالة سياسية بامتياز.

فقد جاء بعد أيام قليلة من تصريحات حادة أطلقتها الوزيرة، حاولت من خلالها توجيه أصابع الاتهام بشكل غير مباشر للمغرب، إلا أن هذه النبرة التصعيدية سرعان ما اصطدمت بحائط العقلانية الذي يتبناه قصر “المونكلوا”، حيث تدرك حكومة بيدرو سانشيز أن العلاقات مع الرباط تمر بمرحلة دقيقة واستراتيجية لا تحتمل الانزلاقات اللفظية أو المزايدات الداخلية.

التحقيقات تكشف بوضوح أن الأزمات العابرة لم تعد قادرة على هز أسس الشراكة الجديدة بين البلدين.

فبينما كانت بعض الأصوات المحسوبة على “التيار الكلاسيكي” داخل إسبانيا تدفع نحو التصعيد، اختارت الحكومة الإسبانية، ومعها وزارتا الخارجية والداخلية، لغة التهدئة والإشادة بالتعاون الأمني المغربي. هذا التدخل الحكومي لفرملة اندفاع وزيرة الدفاع يؤكد أن مدريد باتت تضع مصالحها الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية مع المغرب فوق أي اعتبار حزبي أو ضغط داخلي.

على الضفة الأخرى، قدم المغرب درساً في الدبلوماسية المؤسساتية الهادئة. فالرباط لم تنجر إلى فخ الردود الانفعالية أو التراشق الإعلامي، بل تركت مؤسساتها تعمل بصمت، حيث سارعت السلطات المختصة إلى فتح تحقيقات قضائية صارمة لتفكيك شبكات الاتجار بالبشر ومحاربة دعوات التحريض الرقمي.

هذا التعاطي المسؤول سحب البساط من تحت أقدام المعارضة الإسبانية، وجعل مدريد تتكفل بنفسها بإطفاء نيران التصعيد التي حاول البعض إشعالها من الداخل.

لا شك أن أحزاب المعارضة الإسبانية، وفي مقدمتها الحزب الشعبي وحزب “فوكس”، ستحاول استغلال غياب الوزيرة عن البرلمان لشن هجوم سياسي على حكومة “سانشيز”، واتهامها بالخضوع لإملاءات الرباط. لكن الحقيقة التي تفرض نفسها في حوض البحر الأبيض المتوسط اليوم، هي أن البلدين أسسا لخارطة طريق صلبة، مبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

إن قصة “اتهام المغرب” التي حاولت بعض الأطراف ترويجها لتبرير بعض التخبطات في إدارة أزمة الهجرة، تم إجهاضها في مهدها. والدرس المستفاد من هذه الواقعة هو أن الشراكة المغربية الإسبانية بلغت من النضج ما يكفي لتنقية أجوائها بنفسها، وأن صوت الدبلوماسية الهادئة والعمل المشترك سيظل دائماً أعلى من أي تصريح عابر.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *