اِعْتِقَالُ جَوَاسِيسَ جَزَائِرِيِّينَ فِي لِيبْيَا: مِنْ “خَطِّ طَرَابُلُسَ الْأَحْمَرِ” إِلَى عُقْدَةِ “الصُّخَيْرَاتِ.. التَّوَجُّسُ اللِّيبِيُّ مِنَ الدَّوْرِ الْجَزَائِرِيِّ بَعْدَ أَنْ تَعَرَّتْ سَوْأَةُ دِبْلُومَاسِيَّةِ الْجَزَائِرِ فِي لِيبْيَا

اِعْتِقَالُ جَوَاسِيسَ جَزَائِرِيِّينَ فِي لِيبْيَا: مِنْ “خَطِّ طَرَابُلُسَ الْأَحْمَرِ” إِلَى عُقْدَةِ “الصُّخَيْرَاتِ.. التَّوَجُّسُ اللِّيبِيُّ مِنَ الدَّوْرِ الْجَزَائِرِيِّ بَعْدَ أَنْ تَعَرَّتْ سَوْأَةُ دِبْلُومَاسِيَّةِ الْجَزَائِرِ فِي لِيبْيَا

عبدالقادر كتـــرة

في عصر تتداخل فيه حروب الجيل الرابع مع الأزمات الدبلوماسية، لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد فضاء للترفيه، بل تحولت إلى مرآة عاكسة للاحتقان السياسي والتاريخي بين الدول.

مؤخراً، انتشر مقطع فيديو على تطبيق “تيك توك” يوثق القبض على مواطنين جزائريين على متن سيارة دفع رباعي داخل الأراضي الليبية.

المثير في المقطع ليس الحادثة بحد ذاتها—والتي قد لا تتعدى كونها عملية تهريب أو تنقيب عشوائي روتينية في حدود صحراوية قاسية—بل التهمة الجاهزة التي وُجهت للمقبوض عليهم: “جواسيس تابعون لتبون وشنقريحة”.

هذه الحادثة، وما رافقها من رسائل شعبوية غاضبة تطالب القيادة الجزائرية بعدم التدخل في الشأن الليبي، تفتح الباب واسعاً لقراءة التراكمات الجيوسياسية المعقدة التي حولت الجزائر في نظر شريحة واسعة من الليبيين من “جارة” إلى “طرف متدخل”.

حادثة حدودية أم انعكاس لأزمة ثقة؟

تمتد الحدود الجزائرية الليبية على مسافة تقارب الألف كيلومتر، وهي تاريخياً مسرح لعمليات التهريب والهجرة غير الشرعية. في السياق الطبيعي، تتعامل قوات حرس الحدود مع مثل هذه الاختراقات كحوادث أمنية معزولة. لكن “القفزة الاستنتاجية” التي حولت ركاب سيارة دفع رباعي إلى عناصر استخباراتية، تكشف عن حالة من التوجس والعداء الدفين.

هذا الخطاب لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة لسلسلة من المواقف والسياسات التي تبناها النظام الجزائري، والتي زرعت الشكوك لدى أطراف ليبية فاعلة، خاصة في الشرق والجنوب.

عقدة “الخط الأحمر” وصدامات الحدود

لا يمكن قراءة الرسالة الغاضبة للشاب الليبي في الفيديو بمعزل عن التاريخ القريب. فالتصريح الشهير للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بأن “طرابلس خط أحمر”، والذي حمل تلويحاً صريحاً بالتدخل العسكري المباشر، خلق شرخاً كبيراً في الثقة.

هذا التصعيد لم يمر مرور الكرام، بل أدخل المنطقة في حالة استنفار قصوى؛ حيث رد المشير خليفة حفتر حينها بحشد قواته العسكرية ونقلها إلى الحدود مع الجزائر في رسالة تحدٍ وردع، انتهت بتراجع الخطاب العسكري الجزائري.

تلك الحقبة رسخت قناعة لدى القوات المسيطرة في تلك المناطق بأن أي تحرك جزائري، ولو كان مدنياً على الحدود، يجب أن يُنظر إليه بعين الريبة كجزء من محاولات فرض الوصاية.

صراع النفوذ وتجاوزات الوساطة: لماذا اختار الليبيون المغرب؟

تتضح الصورة أكثر عند النظر إلى الساحة الليبية كمسرح للتنافس الإقليمي. لقد شكل اختيار الفرقاء الليبيين لمدينة “الصخيرات” المغربية عام 2015 لعقد حوارهم وتوقيع اتفاقهم التاريخي، ضربة دبلوماسية للمقاربة الجزائرية.

هذا الاختيار لم يكن صدفة، بل جاء رغبة من الليبيين في الابتعاد عن الضغوطات المباشرة لدول الجوار الحدودي، والبحث عن وسيط يوفر بيئة محايدة لا تفرض أجندات مسبقة.

هذا التوجه أزعج النظام العسكري الجزائري الذي طالما اعتبر نفسه “الأحق” جغرافياً وتاريخياً باحتكار الملف الليبي. وبدلاً من دعم التوافق، سعت الجزائر في محطات عدة للتشويش على مخرجات الصخيرات والمسارات التي تلتها، في محاولة مستميتة لفرض شخصيات وتيارات موالية لها داخل المشهد الليبي.

هذا الإصرار على توجيه بوصلة السياسة الليبية هو ما يفسر الاحتقان الشعبي الذي ترجمته عبارة: “ليتفرغوا لمشاكل بلدهم عوض التدخل في بلدي”، وهي صرخة تعكس الرفض لاستخدام ليبيا كحديقة خلفية لتصفية الحسابات الإقليمية.

خلاصة القول، ضريبة السياسات غير المحسوبة

إن مقاطع الفيديو المنتشرة، وإن بدت بسيطة وموجهة للاستهلاك على منصات “السوشيال ميديا”، هي في جوهرها أعراض لمرض أعمق. إنها النتيجة الحتمية لدبلوماسية التهديد والتدخلات التي أفقدت الجزائر دور “الوسيط النزيه”. عندما يتحول المواطن البسيط الباحث عن الذهب أو المهرب في عمق الصحراء إلى “جاسوس” في نظر جيرانه، فهذا يعني أن جدار الثقة قد انهار، وأن الأزمات التي صُنعت في أروقة السياسة والتصريحات الرنانة، باتت تُدفع ضريبتها اليوم على الحدود وفي الفضاء الافتراضي المفتوح.

فيدبو:

Https://vt.t

iktok.com/ZS4fhV5au/

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *