رسالة لمن يهمهم الأمر
المحاماة ليست عبئًا على الدولة بل سندًا لها واحدى ركائزها ومسؤولية وطنية والمحامون يدافعون بشراسة عن ثوابت الامة بدون دعم او تعويضات .
المحاماة ارث وطني ودستوري
للذكرى
نتذكر يوم 13 مارس 2016، حين أساء الأمين العام السابق للأمم المتحدة، بان كي مون، إلى القضية الوطنية. يومها لم ينتظر المحامون دعوة ولم يطالبوا بتعويض أو دعم، بل هبوا من مختلف هيئات المملكة إلى الرباط، وعلى نفقتهم الخاصة، ليؤكدوا أن الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة جزء من رسالتهم الوطنية، وأن المحاماة كانت وستظل في مقدمة الصفوف كلما تعلق الأمر بثوابت الوطن.
حاليا يؤسفني أن يُختزل النقاش حول مهنة المحاماة في سؤال الأتعاب أو في اتهام المحامين بأنهم يدافعون عن امتيازات مادية. هذا تصور مجحف لا يعكس حقيقة هذه المهنة ولا تاريخها.
أتحدث هنا بصفتي محامية، وبصفتي برلمانية سابقة عايشت التشريع من داخله، وأعرف أن المحاماة أكبر بكثير من أن تختزل في رقم أو عقد أتعاب.
المحاماة ليست وظيفة عمومية، ولا يعيش أصحابها على ميزانية الدولة. المحامي لا يتقاضى أجرا من الخزينة العامة، ولا يستفيد من تقاعد تموله الدولة، ولا من تعويضات عن البطالة أو المرض أو الشيخوخة. وهو الذي يتحمل بنفسه أعباء مكتبه، وضرائبه، وتأمينه، ومستقبله ومستقبل أسرته.
ورغم ذلك، لم يتردد المحامون يوما في تحمل مسؤولياتهم الوطنية.
من الذي نظم عشرات المؤتمرات والندوات الدولية دفاعا عن قضية الصحراء المغربية؟ ومن الذي جاب المحافل الدولية لشرح عدالة الموقف المغربي بلغات القانون، وليس بلغة الشعارات؟ ومن الذي مارس الدبلوماسية الموازية، بدون المطالبة بمصاريف تدفع له من خزينة الدولة كباقي البرلمانيين مخاطبا نقابات وهيئات المحامين عبر العالم، دون أن يطلب ميزانية أو تعويضا أو امتيازا؟
إنهم المحامون.
كانوا في العيون في لبنان والعراق لما غادروا الندوة احتجاجاً على خارطة المغرب مبتورة من صحرائه ، وكلما استدعتهم القضية الوطنية، وفي السعيدية ومراكش والرباط لما اساء الامين العام للأمم المتحدة بين كيمون للوحدة الترابية وكانوا في المؤتمرات الدولية، وفي المنظمات المهنية، يقدمون صورة المغرب كدولة مؤسسات ودستور وحقوق، ويدافعون عن سيادته بالحجة القانونية أمام الرأي العام الدولي.
ولهذا، فمن العبث و الخطأ أن يُصوَّر للرأي العام أن المحامين يرفضون الرقابة أو يتهربون من المحاسبة.
لا أحد فوق القانون، ولا أحد يعارض الشفافية.
لكن الدفاع اليوم ليس عن حساب بنكي، ولا عن أتعاب، بل عن فلسفة مهنة مستقلة، تشكل أحد أعمدة العدالة ودولة الحق والقانون.
فعندما يُضعف استقلال المحاماة، لا يتضرر المحامي وحده، بل يضعف معه حق المواطن في دفاع حر ومستقل، لأن استقلال المحامي هو ضمانة للمتقاضي قبل أن يكون امتيازا للمحامي.
المحاماة ليست لوبي، وليست جماعة ضغط تبحث عن مكاسب. إنها مؤسسة مجتمعية لعبت أدوارا وطنية وحقوقية ودستورية قبل الاستقلال وبعده، وأسهمت في بناء دولة المؤسسات، وكانت دائما في الصفوف الأولى عندما تعلق الأمر بالدفاع عن الوطن ووحدته الترابية وسيادة القانون.
لذلك، قبل أن نصدر الأحكام، فلننظر إلى تاريخ هذه المهنة وإلى ما قدمته للمغرب بصمت، دون انتظار مقابل.
فالمحامي الذي يدافع اليوم عن استقلال مهنته، يدافع في الحقيقة عن حق كل مواطن في أن يجد غدا دفاعا حرا، لا يخضع إلا للقانون وضميره المهني.
تاريخيا من هم المحامون ؟
لم تكن المحاماة في المغرب يومًا مجرد مهنة لتقديم خدمة مقابل أجر، بل كانت مدرسة للنضال الوطني، ومن رحمها خرج رجال ونساء ساهموا في مقاومة الاستعمار، وفي بناء دولة المؤسسات، وفي ترسيخ ثقافة الحقوق والحريات. ولذلك فإن استقلالها ليس امتيازًا لفئة، بل إرث دستوري ووطني ينبغي صونه.
ولا بأس من طرح هذا السؤال ؟ إذا كانت المحاماة مجرد مهنة تبحث عن الربح، فلماذا ظل المحامون لعقود يترافعون في قضايا حقوق الإنسان، ويؤازرون ضحايا الانتهاكات، ويشاركون في الدفاع عن القضايا الوطنية داخل المغرب وخارجه، دون مقابل ؟
لا تتمحور طلباتنا أن ينحاز اي احد إلى المحامين، وإنما يتمحور الطلب حول الإنصاف.
انتقدوا المحامي الذي يخطئ، وحاسبوه وفق القانون، لكن لا تهدموا مؤسسة بأكملها بسبب أخطاء أفراد. فالدول القوية لا تضعف مؤسساتها المستقلة، بل تحرص على تقويتها لأنها إحدى ضمانات العدالة وسيادة القانون.
لقد عشتُ التشريع من داخل البرلمان، وأمارس المحاماة منذ سنوات، ولذلك أستطيع أن أميز بين الدفاع عن امتياز، والدفاع عن مؤسسة. وما يدافع عنه المحامون اليوم هو استقلال مؤسسة دستورية، وكل تنازل عن ضمانة من ضمانات استقلالها يترك أثرًا قد لا يظهر اليوم، لكنه يتراكم حتى يصبح واقعًا يصعب تغييره. ولذلك فإن الحفاظ على استقلالها قبل المساس به أيسر بكثير من محاولة استعادته بعد ضياعه .

