باريس تستعد لحدث دبلوماسي عظيم: زيارة دولة للملك محمد السادس إلى فرنسا للتوقيع الرسمي على معاهدة استراتيجية والمغرب أول دولة خارج الاتحاد الأوروبي تحظى بهذا المستوى

باريس تستعد لحدث دبلوماسي عظيم: زيارة دولة للملك محمد السادس إلى فرنسا للتوقيع الرسمي على معاهدة استراتيجية والمغرب أول دولة خارج الاتحاد الأوروبي تحظى بهذا المستوى

عبدالقادر كتـــرة

تتوافد وفود مغربية رفيعة المستوى تمثل مختلف القطاعات إلى العاصمة الفرنسية، لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية الصداقة الجديدة بين البلدين.

وينتظر أن تنهي هذه الاتفاقية العمل باتفاقية “لاسيل سان كلو” المبرمة عام 1955، والتي كانت تمثل إيذانا بانتهاء عهد الحماية على المغرب، لتفتح صفحة جديدة من التعاون الاستراتيجي والشراكة المتكاملة بين المملكة وفرنسا.

وتتعزز العلاقات الثنائية في مجالات متعددة، مما يعكس عمق الروابط التاريخية والمصالح المشتركة بين البلدين.

يمثل هذا التحرك الدبلوماسي تحولاً مفصلياً في تاريخ العلاقات المغربية الفرنسية.

إن التوجه نحو تعويض اتفاقية “لا سيل سان كلو” (La Celle-Saint-Cloud) لعام 1955 باتفاقية شراكة استراتيجية جديدة ليس مجرد تحديث للبروتوكولات، بل هو إعادة تأسيس شاملة للعلاقات على قواعد جيوسياسية تتناسب مع معطيات القرن الحادي والعشرين.

يأتي هذا التوجه تتويجاً لمسار طويل من “إذابة الجليد” بعد أزمة دبلوماسية صامتة وحادة استمرت بين عامي 2021 و2023 (أزمة التأشيرات، وحملات التراشق الإعلامي، وموقف باريس الضبابي من ملف الصحراء).

– الرمزية التاريخية: اتفاقية “لا سيل سان كلو” (نونبر 1955) كانت الوثيقة التي أنهت رسمياً عهد الحماية الفرنسية وأعادت المغفور له الملك محمد الخامس إلى العرش. استبدالها اليوم يعني طي صفحة “ما بعد الاستعمار” (Post-colonialism) وتأسيس علاقة مبنية على الندية والشراكة المكتملة بين دولتين ذاتي سيادة.

– الزخم الدبلوماسي: مهدت فرنسا لهذا الاتفاق الجديد عبر زيارات مكوكية لوزراء فرنسيين (الخارجية، الاقتصاد، والداخلية) إلى الرباط، والتي تخللتها إعلانات فرنسية واضحة بالاستثمار المباشر في الأقاليم الجنوبية للمملكة ودعم خطة الحكم الذاتي.

هذا الوضع الجديد والاستثنائي لم يكن وليد الصدفة، بل تحكمه عدة متغيرات استراتيجية:

– تغير العقيدة الدبلوماسية المغربية:

فرض المغرب قاعدة جديدة في علاقاته الدولية، حيث أصبحت قضية الصحراء المغربية “النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم”. باريس أدركت أن استمرار الضبابية سيكلفها خسارة شريك استراتيجي وحيد مستقر في المنطقة، خاصة بعدما حسمت دول كبرى مثل الولايات المتحدة وإسبانيا مواقفها.

– تنويع الشركاء: فقدت فرنسا الكثير من نفوذها الاقتصادي في المغرب لصالح إسبانيا (التي أصبحت الشريك التجاري الأول)، والصين، والولايات المتحدة. هذه الاتفاقية هي محاولة فرنسية لاستعادة مكانتها الاقتصادية والتاريخية.

– الندية الجيوسياسية: المغرب اليوم ليس مغرب 1955؛ بل هو قوة إقليمية صاعدة، يمتلك بنية تحتية عالمية (ميناء طنجة المتوسط، ميناء الداخلة الأطلسي)، ومشاريع قارية كبرى مثل أنبوب الغاز النيجيري-المغربي، مما يجعله رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه.

لهذا الوضع الجديد والاستثنائي تداعيات على مستقبل العلاقات والمنطقة .

أ. على مستوى العلاقات الثنائية (المغرب – فرنسا):

– شراكة الجيل الجديد: ستتركز الاتفاقية الجديدة على قطاعات المستقبل، مثل الهيدروجين الأخضر، والطاقات المتجددة، وصناعة السيارات، والذكاء الاصطناعي، والتسليح المتقدم.

– تثبيت الموقف الفرنسي: من المرجح أن تتضمن الوثيقة الجديدة، أو يرافقها، اعتراف فرنسي صريح ومؤسساتي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، مما سيشكل ضربة قاضية قانونياً وسياسياً لأي طروحات انفصالية في أوروبا.

ب. التداعيات على المنطقة (المغرب العربي ودول الساحل):

– الاستقطاب الإقليمي وتعميق العزلة: توقيع هذه الاتفاقية سيزيد من حدة التوتر مع الجزائر، التي طالما راهنت على اللعب على التناقضات بين باريس والرباط. اقتراب فرنسا من الرؤية المغربية سيؤدي حتماً إلى تدهور موازٍ في العلاقات الفرنسية-الجزائرية، ويزيد من عزلة الطرح الانفصالي إقليمياً ودولياً.

– معادلة الأمن في الساحل الإفريقي: بعد الانسحاب العسكري الفرنسي المدوي من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، تبحث باريس عن مقاربة جديدة لحماية مصالحها أو على الأقل الحفاظ على استقرار المنطقة.

هنا يبرز دور المغرب بمبادرته “الأطلسية” التي توفر منفذاً بحرياً لدول الساحل وتعتمد مقاربة تنموية اقتصادية وليست أمنية بحتة. فرنسا قد تستخدم الشراكة الجديدة لدعم أو التكامل مع المبادرات المغربية في غرب إفريقيا والساحل لتعويض تراجع نفوذها.

– البعد الأمني المتوسطي: ستعزز الاتفاقية التنسيق الأمني والاستخباراتي المشترك لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، والجريمة المنظمة، والهجرة غير النظامية، مما يرسخ دور المغرب كفاعل ضامن للأمن في غرب المتوسط.

خلاصة: إنهاء العمل باتفاقية 1955 هو إعلان عن ولادة “مغرب جديد” في الوعي الاستراتيجي الفرنسي. هي خطوة تؤسس لمرحلة لن تكون فيها العلاقات مجرد تقاطع عاطفي أو تاريخي، بل محور ارتكاز جيوسياسي يعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات في شمال إفريقيا والساحل.

وسائل الإعلام الناطقة بالفرنسية (سواء الفرنسية، أو المغربية الفرنكوفونية، أو الدولية المتخصصة) تتناول هذا الموضوع بتفصيل كبير وباهتمام بالغ، خاصة في الآونة الأخيرة (خلال عام 2026).

وقد سلطت هذه المنابر الضوء على تفاصيل وكواليس الإعداد لهذه المعاهدة التاريخية، وأبرز ما تتداوله يمكن تلخيصه في النقاط التالية:

1. الكشف عن “عرابي” المعاهدة (اللجنة المشتركة)

أشارت تقارير إعلامية (مثل موقع Yabiladi الناطق بالفرنسية) إلى أنه تم تشكيل لجنة متابعة مشتركة رفيعة المستوى (Comité de suivi paritaire) لصياغة وهندسة هذه “الشراكة الاستثنائية المعززة”.

– من الجانب الفرنسي: تضم شخصيات سياسية وازنة مثل هوبير فيدرين (وزير الخارجية الأسبق)، وإليزابيث جيجو (وزيرة العدل السابقة)، وجان لوي جيجو (خبير اقتصادي).

– من الجانب المغربي: تضم أسماء ثقيلة مثل مصطفى التراب (الرئيس المدير العام لمجموعة OCP)، وشكيب بنموسى، ومنية بوستة (الأمينة العامة لوزارة الخارجية).

2. تسريب ركائز “معاهدة الصداقة” الجديدة

مجلة Atalayar (في نسختها الفرنسية الصادرة في يونيو 2026) نشرت تقريراً مفصلاً تحت عنوان: “تفاصيل معاهدة الصداقة الجديدة بين المغرب وفرنسا: علاقة أكثر توازناً”. وأكدت أن الإطار الجديد يتجاوز المعاهدات التقليدية ويقوم على 4 أعمدة رئيسية:

– الاقتصاد والصناعة: منح الأولوية للاستثمارات المتبادلة وتسهيل وصول الشركات الفرنسية بامتيازات إلى السوق المغربية، وخاصة الأقاليم الجنوبية.

– الأمن والجيش: تعزيز التعاون في الصناعات العسكرية والدفاعية ومحاربة الإرهاب والهجرة (وهو ما أكدته أيضاً صحيفة Le Matin باحتفاء البلدين بنضج شراكتهما في مجال الهجرة).

– السياسة والجيواستراتيجيا: التثبيت الرسمي والنهائي للموقف الفرنسي الداعم لسيادة المغرب على الصحراء، واعتبار المغرب بوابة فرنسا لاستعادة نفوذها المتراجع في إفريقيا.

– الثقافة والفرنكوفونية: تعزيز شبكة المدارس الفرنسية، بما في ذلك فتح مؤسسات جديدة في الأقاليم الجنوبية.

3. ربط الحدث باتفاقية “لا سيل سان كلو” لعام 1955

الإعلام الفرنسي يربط دائماً هذه التحضيرات بالخطاب التاريخي للرئيس إيمانويل ماكرون أمام البرلمان المغربي في أكتوبر 2024. الصحافة تُذكر باقتراح ماكرون حينها تأسيس إطار استراتيجي جديد يتم توقيعه تزامناً مع الذكرى السبعين لاتفاقية “لا سيل سان كلو” (التي مهدت لاستقلال المغرب). الإعلام يرى في هذه الرمزية إعلاناً بانتهاء وصاية الماضي وبناء علاقة “ند للند”.

4. التمهيد لزيارة الدولة المرتقبة

تُجمع التقارير الإعلامية على أن اللمسات الأخيرة التي تضعها الوفود حالياً في باريس هي تمهيد لحدث دبلوماسي ضخم؛ وهو زيارة دولة (Visite d’État) سيقوم بها الملك محمد السادس إلى فرنسا (يُنتظر أن تكون أواخر العام)، حيث سيتم التوقيع الرسمي على المعاهدة، ليكون المغرب بذلك أول دولة خارج الاتحاد الأوروبي تحظى بهذا المستوى من الارتباط الاستراتيجي المتقدم مع فرنسا.

خلاصة التناول الإعلامي:

الصحافة الفرنسية تنظر إلى هذا الاتفاق ليس كمنحة للمغرب، بل كـ”ضرورة فرنسية” لإنقاذ مصالح باريس الاستراتيجية في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط عبر البوابة المغربية، خاصة في ظل تنامي النفوذ الصيني والروسي وتصاعد المشاعر المناهضة لفرنسا في دول الساحل.

يحظى هذا التحول الاستراتيجي بمتابعة دقيقة من قبل وسائل الإعلام الفرنسية، بالإضافة إلى مراكز الأبحاث والدراسات الجيوسياسية الناطقة بالفرنسية. التناول الإعلامي والبحثي لا يقتصر على سرد الخبر، بل يغوص في دلالاته العميقة المتمثلة في إنهاء حقبة “لا سيل سان كلو” (1955).

أبرز المصادر والمنابر الفرنسية والفرنكوفونية التي تتحدث عن هذا الموضوع وكيف تتناوله:

1. مراكز الأبحاث الجيوسياسية (التحليل الاستراتيجي العميق)

يعتبر المعهد الجيوسياسي “آفاق” (Institut Géopolitique Horizons – IGH) من أبرز المصادر التي فصلت في هذا الموضوع. في أبريل 2026، أصدر المعهد دراسة مرجعية تحت عنوان: “معاهدة المغرب – فرنسا: مهندس الجنوب” (Traité Maroc – France : L’Architecte du Sud) .

أبرز ما جاء فيها: “أكدت الدراسة أن المعاهدة الجديدة “ليست مجرد تحسين للإطار الحالي بل هي بديل له”، معلنة الإغلاق النهائي للإطار الثنائي المنبثق عن اتفاقيات “لا سيل سان كلو” لعام 1955″.

اعتبرت الدراسة أن العلاقة لم تعد “غير متكافئة”، بل نحن أمام “إعادة هيكلة” تُكرس المغرب كقوة ذات سيادة، وأن فرنسا لم تعد تنظر للمغرب كـ “منصة” بل كـ “نظام متكامل” يفرض شروطه في نقل التكنولوجيا العسكرية والمدنية.

2. الإعلام الفرنسي المتخصص في الشؤون الدولية (مثل Atalayar و Le Monde Afrique)

تناولت المجلات والمواقع المتخصصة في الشؤون الدبلوماسية تفاصيل المعاهدة بشكل دقيق. النسخة الفرنسية من مجلة Atalayar (يونيو 2026) نشرت تقريراً بعنوان “تفاصيل معاهدة الصداقة الجديدة بين المغرب وفرنسا: علاقة أكثر توازناً”.

سلطت الضوء على الركائز الأربع للمعاهدة (الاقتصاد، الأمن والتصنيع العسكري، الثقافة، والسياسة).

أكدت أن باريس تنظر إلى المعاهدة كطوق نجاة، وتعتبر المغرب “بوابة ثمينة نحو منطقة تراجع فيها النفوذ الفرنسي بشكل كبير خلال العقد الماضي”.

3. القنوات الإخبارية الفرنسية (France 24, RFI, TV5Monde)

رغم أن القنوات الإخبارية الفرنسية العامة تتناول الخبر بجرعات أقل كثافة مقارنة بمراكز الأبحاث، إلا أنها تضعه دائماً في سياق:

تربط هذه القنوات المعاهدة المرتقبة بالزيارة التاريخية للرئيس إيمانويل ماكرون إلى الرباط في أكتوبر 2024، واعترافه بمغربية الصحراء. المعاهدة تُقدم للمشاهد الفرنسي على أنها “التتويج القانوني والمؤسساتي” لإعلان “الشراكة الاستثنائية المعززة” الموقع آنذاك.

تركز التقارير الاقتصادية لهذه القنوات على حجم الاستثمارات (مثل فعاليات Choose France) وتكثيف الشركات الفرنسية لاستثماراتها في البنية التحتية المغربية، كجزء من التحضير لهذه المعاهدة.

4. الصحافة الفرنسية الكبرى (Le Figaro, Le Monde)

تركز الصحف الفرنسية الكبرى في تغطيتها على الجانب المصلحي لفرنسا. الخطاب السائد في هذه الصحف هو خطاب “الواقعية السياسية”، حيث تُجمع التحليلات على أن فرنسا مجبرة على التخلي عن أسلوب “الوصاية” التاريخي.

التقارب مع المغرب أصبح “ضرورة أمنية واقتصادية” لفرنسا في ظل تنامي النفوذ الروسي والصيني في إفريقيا، والقطيعة التي حدثت مع دول الساحل.

خلاصة القول، لا يتم التعامل مع هذه المعاهدة في الأوساط الفرنسية كخبر بروتوكولي عادي، بل توصف في مراكز الأبحاث بأنها “انقلاب في موازين القوى” ، حيث يفرض المغرب شروط شراكة حقيقية تنهي إلى الأبد آخر ظلال مرحلة ما بعد الاستعمار التي أسست لها معاهدة 1955.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *