وثيقة تاريخية لاتفاقية دبلوماسية هامة بين بريطانيا والمغرب في القرن الثامن عشر (معاهدة سلام وصداقة 15 يناير1750)

وثيقة تاريخية لاتفاقية دبلوماسية هامة بين بريطانيا والمغرب في القرن الثامن عشر (معاهدة سلام وصداقة 15 يناير1750)

عبدالقادر كتـــرة

“معاهدة سلام وصداقة بين ملك بريطانيا العظمى وإمبراطور المغرب: أُبرمت في فاس، بين ويليام بيتيكرو، القنصل العام لجلالته البريطانية، والقائد حبيب لوهاب بن حامد ليموري، رئيس وزراء إمبراطور المغرب. وُقّعت في 15 من ربيع الأول عام 1164 هـ، الموافق بالتقويم الإنجليزي القديم (O.S) لـ 15 يناير 1750. وكذلك المواد الإضافية للسلام والتجارة التي أُبرمت ووُقّعت بين الوزيرين المذكورين في 1 فبراير 1751 بالتقويم الجديد (N. S).”

ديباجة الملك جورج الثاني:

“جورج الثاني، بفضل الله، ملك بريطانيا العظمى وفرنسا وأيرلندا، حامي العقيدة، دوق برونزويك ولونيبورغ، أمين الخزانة الأكبر للإمبراطورية الرومانية المقدسة، والأمير الناخب… إلى كل من تصل إليهم هذه الرسائل، سلام.”

هذه المعاهدة وقعت في عهد السلطان المولى عبد الله بن إسماعيل (الذي شهدت فترة حكمه تقلبات وصراعات، لكنه حافظ على العلاقات الدولية).

أهمية الشخصيات:

– ويليام بيتيكرو (William Petticrew): كان دبلوماسياً بريطانياً نشطاً في منطقة المغرب العربي، وتوفي في المغرب عام 1751.

– القائد حبيب (أو الحاج عبد القادر) بن حامد ليموري: من الشخصيات القوية في المخزن المغربي آنذاك.

كانت المعاهدة تهدف إلى تأمين السفن البريطانية من القرصنة (الجهاد البحري)، وتنظيم التجارة في الموانئ المغربية، وفدية الأسرى.

النص يشير إلى “التقويم القديم والجديد”، وهو ما يعكس الفترة التي كانت بريطانيا تنتقل فيها من التقويم اليولياني إلى التقويم الغريغوري (1752)، مما يدل على دقة النص التاريخي المستخدم.

وتُذكرنا هذه الوثيقة بأن المغرب كان من أوائل الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية مؤسساتية مع القوى العظمى، وكان يتمتع بسيادة كاملة وندية واضحة في التعامل مع ملوك أوروبا.

حكم السلطان المولى عبد الله في فترة معقدة جداً تُعرف في التاريخ المغربي بـ “أزمة الثلاثين سنة”، وهي الفترة التي تلت وفاة والده، السلطان العظيم المولى إسماعيل (عام 1727).

عُرف المولى عبد الله بالدهاء السياسي والشجاعة الفائقة، لكنه اصطدم بواقع داخلي شديد الاضطراب.

فقد تغولت في عهده قوة جيش “عبيد البخاري” (الجيش النظامي آنذاك)، وبدأوا يتدخلون في تعيين وعزل السلاطين.

من أغرب مفارقات التاريخ أن المولى عبد الله بُويع وعُزل ست مرات! كان في كل مرة يُعزل فيها ينسحب بذكاء ليعيد ترتيب صفوفه، ثم يعود بقوة السلاح والتحالفات القبلية ليسترد عرشه.

المثير للإعجاب أنه رغم الفوضى الداخلية الطاحنة، أدرك السلطان أهمية الانفتاح على الخارج.

فقد وظف الدبلوماسية مع القوى الأوروبية الكبرى (مثل بريطانيا وفرنسا) لتأمين مداخيل تجارية لخزينته، وضمان استمرار تدفق الأسلحة والذخائر التي كان يحتاجها لإخماد التمردات الداخلية.

أبرز بنود وأهداف معاهدة (1750 – 1751)

لم تكن المعاهدة التي أبرمها رئيس وزراء السلطان (القائد حبيب ليموري) مع السفير البريطاني (ويليام بيتيكرو) مجرد بروتوكول شرفي، بل كانت وثيقة حيوية تنظم المصالح المشتركة وتفرض شروطاً دقيقة:

1. حرية الملاحة وتحييد “الجهاد البحري”:

التزام المغرب بتأمين السفن التجارية البريطانية وعدم التعرض لها من قبل القراصنة أو “المجاهدين البحريين” المغاربة في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.

كان هذا البند حيوياً لبريطانيا التي كانت تبني إمبراطوريتها التجارية، وتحتاج إلى مسارات آمنة نحو الشرق ومستعمراتها.

2. الموانئ وحق الرسو والتموين:

– السماح للسفن البريطانية (التجارية والحربية) باللجوء إلى الموانئ المغربية هرباً من الطقس السيء أو من سفن الأعداء.

– تسهيل تزويد السفن البريطانية بالماء والمؤن (مثل القمح واللحوم) دون فرض ضرائب تعجيزية.

3. الامتيازات التجارية (الملحق المضاف عام 1751):

– منح التجار البريطانيين حق الإقامة والتنقل الآمن في المغرب.

– تحديد الرسوم الجمركية على الواردات والصادرات البريطانية، وتوفير حماية رسمية لبضائعهم من المصادرة التعسفية.

4. الحماية القانونية والقضائية:

– منح القنصل البريطاني حق التدخل والفصل في النزاعات التي تقع بين الرعايا البريطانيين داخل الأراضي المغربية.

في حال وجود نزاع بين تاجر بريطاني وآخر مغربي، تُعرض القضية على السلطات العليا المغربية (السلطان أو من ينوب عنه) لضمان محاكمة عادلة بحضور ممثل عن القنصلية.

5. ملف الأسرى والرهائن:

الاتفاق على عدم استعباد أي رعية بريطانية، ووضع آليات لافتداء وإطلاق سراح أي أسرى بريطانيين قدامى كانوا محتجزين قبل توقيع الاتفاقية.

خلاصة القول، هذه الوثيقة تجسد بامتياز لغة “المصالح المتبادلة”؛ بريطانيا أرادت حماية أساطيلها التجارية وتأمين منطقة جبل طارق الحيوية، والمغرب (ممثلاً في السلطان المولى عبد الله) أراد استثمار هذا السلام الدبلوماسي لتقوية اقتصاده الداخلي وفرض هيبة المخزن وسط عواصف التمرد.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *