“شُكْراً عَلَى الْإِشْهَارِ الْمَجَّانِيِّ”: مُحَاوَلَاتُ السَّطْوِ عَلَى التُّرَاثِ الْمَغْرِبِيِّ تَحَوَّلَتْ إِلَى أَكْبَرِ حَمْلَةٍ تَسْوِيقِيَّةٍ عَالَمِيَّةٍ… صَفَحَاتُ السَّطْوِ الِافْتِرَاضِيِّ الْجَزَائِرِيَّةُ تَخْدِمُ الِاقْتِصَادَ وَالتُّرَاثَ الْمَغْرِبِيَّ

“شُكْراً عَلَى الْإِشْهَارِ الْمَجَّانِيِّ”: مُحَاوَلَاتُ السَّطْوِ عَلَى التُّرَاثِ الْمَغْرِبِيِّ تَحَوَّلَتْ إِلَى أَكْبَرِ حَمْلَةٍ تَسْوِيقِيَّةٍ عَالَمِيَّةٍ… صَفَحَاتُ السَّطْوِ الِافْتِرَاضِيِّ الْجَزَائِرِيَّةُ تَخْدِمُ الِاقْتِصَادَ وَالتُّرَاثَ الْمَغْرِبِيَّ

عبدالقادر كتـــرة

في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي، أصبحت محاولات تزييف الحقائق أو الاستيلاء على تراث الآخرين أشبه بمن يحاول إخفاء الشمس بغربال.

ما نشهده اليوم على منصات التواصل الاجتماعي من ظاهرة غريبة ومثيرة للسخرية، حيث تعمد صفحات من الجارة الشرقية إلى السطو على صور منتجات الصناعة التقليدية المغربية، كالجلابة والقفطان، ونسبها زيفاً لتراثهم، لا يعكس فقط أزمة هوية عميقة، بل يجسد حالة مستفحلة من “العمى الرقمي” الذي تحول إلى غباء اقتصادي يخدم المغرب بالدرجة الأولى.

عقدة الهوية والعمى الرقمي

إن الإصرار المرضي والمهووس بكل ما هو مغربي، ومحاولة السطو عليه، يكشف عن فراغ ثقافي وعقدة نقص مزمنة تجاه الجار الذي يمتلك جذوراً تاريخية ضاربة في القدم وتراثاً متجدداً يفرض نفسه عالمياً.

هذا الحسد الذي تحول إلى هوس أعمى، جعل القائمين على هذه الصفحات يفقدون أبسط قواعد المنطق والإدراك. فهم في سعيهم المحموم لتبني هوية ليست لهم، يجهلون أو يتجاهلون أن الإنترنت لا يرحم، وأن الخوارزميات لا تعترف بالعواطف أو الادعاءات الزائفة، بل بالبيانات والمصادر الأصلية.

من السطو إلى الإشهار المجاني (كيف تنقلب السحر على الساحر)

العملية ببساطة تتم على النحو التالي: تقوم صفحة جزائرية بنشر صورة لجلابة مغربية أنيقة وتنسبها لنفسها بعبارات رنانة.

يرى المتابع، سواء كان محلياً أو أجنبياً، هذه الصورة فيعجب بتفاصيلها وأناقتها.

وبحكم غياب المنتوج على أرض الواقع في تلك البلدان، يلجأ المتابع إلى محركات البحث وتطبيقات التعرف على الصور مثل (Google Lens).

هنا تحدث الصدمة التقنية للمدّعين؛ فنقرة واحدة على الصورة توجه الباحث فوراً إلى المصدر الأصلي: صفحات المتاجر المغربية، وحسابات المصممين المغاربة، مع تفاصيل الأثمنة بالدرهم المغربي وتصنيف المنتوج بوضوح تحت خانة “الموضة المغربية” (Moroccan fashion).

النتيجة؟ المستهلك يكتشف زيف الادعاء، ويتوجه بماله واهتمامه مباشرة إلى الصانع المغربي الحقيقي.

انتصار الصانع التقليدي والاقتصاد المغربي

دون وعي منهم، تحول هؤلاء المهووسون إلى “وكلاء إعلانات مجانيين” يعملون لصالح الصناعة التقليدية المغربية على مدار الساعة. كل صورة يسرقونها، وكل منشور يروجون له، يسهم في:

– تحسين محركات البحث (SEO) لصالح المغرب: زيادة التداول والمشاركة للصور ترفع من تصنيفها في محركات البحث، مما يرسخ الهوية البصرية للجلابة كمنتوج مغربي خالص في قاعدة بيانات غوغل العالمية.

– إنعاش التجارة الإلكترونية: توجيه آلاف الزيارات المجانية لمتاجر المصممين المغاربة، مما يضاعف المبيعات دون أن ينفق التاجر المغربي درهماً واحداً على الإشهار.

– الترويج السياحي الثقافي: إثارة فضول الأجانب لاكتشاف البلد الأصلي الذي يبدع هذه الفنون، مما يدفعهم لزيارة المغرب واقتناء هذه المنتجات من أسواقها العتيقة.

خلاصة القول، إن محاولات الاستيلاء الفاشلة هذه هي في حقيقتها شهادة اعتراف غير مباشرة بتفوق التراث المغربي وجاذبيته التي لا تقاوم.

وبدل أن يشعر المغاربة بالاستفزاز، باتوا اليوم ينظرون إلى هذه الظاهرة بكثير من التندر والشفقة، بل وبشيء من الامتنان الاقتصادي. فلكل من ينفق وقته وجهده في نسخ صور تراثنا ولصقها في صفحاته؛ واصلوا عملكم الدؤوب، فصانعنا التقليدي يرحب بهذا التسويق المجاني، وتراثنا يزداد عالمية بفضل “جهودكم”.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *