ماذا لو كان بإمكان السي عبد الرحمان اليوسفي أن يخاطب الاتحاديات والاتحاديين اليوم؟

ماذا لو كان بإمكان السي عبد الرحمان اليوسفي أن يخاطب الاتحاديات والاتحاديين اليوم؟

المهدي اليوسفي

ماذا كان سيقول السي عبد الرحمان اليوسفي لو كان بإمكانه أن يخاطب الاتحاديات والاتحاديين اليوم وهو يرى الحزب الذي كان واحدا من أبرز مؤسسيه، بعد عقود من النضال، يقف أمام أسئلة لم تعد تحتمل التأجيل؟ هل كان سيكتفي باستحضار أمجاد الماضي، أم كان سيبحث، كما فعل دائما، عن جوهر الأزمة خلف الوقائع والأسماء؟ وهل كان سينشغل بمن انتصر داخل الحزب ومن خسر، أم كان سيسأل عن حال الحزب المؤسسة الذي جعل منه جيل كامل أداة للتغيير وللنضال من أجل الديمقراطية والعدالة والحرية؟

ربما كان سيبدأ من حيث ينبغي أن يبدأ كل اتحادي اليوم، أي أنه كان سيبدأ من الواقع ومن الحقيقة، والحقيقة التي لا يمكن أن يحجبها أي كان، هي أن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لم يعد يواجه أزمة انتخابية أو خلافا عاديا حول القيادة، بل إنه يواجه، سؤالا يتعلق بطبيعة الحزب، وبقدرته على الحفاظ على استقلالية قراره، وعلى دينامية أجهزته، وعلى المعنى الذي جعل الانتماء إليه في زمن من الأزمنة اختيارا سياسيا وأخلاقيا قبل أن يكون اختيارا انتخابيا، بمعنى أنه سؤال يتعلق بمادته الوراثية وبحمضه النووي.

من هذه الزاوية، ستكون الرسالة التي كان سيوجهها السي عبد الرحمان إلى الاتحاديين اليوم أقل اهتماما بالأشخاص وأكثر اهتماما بالمؤسسة، وأقل انشغالا بمن يملك الموقع وأكثر انشغالا بما تفعله المواقع بالحزب، وأشد إصرارا على أن القيادة، مهما كانت شرعيتها، لا يمكن أن تصبح بديلا عن التنظيم، وأن تاريخ الحزب لا يمكن أن يتحول إلى حصانة ضد النقد.

لعل هذا ما كان سيكتبه السي عبد الرحمان، وهو الذي كان حريصا على ضمان دينامية أجهزة الحزب، وبالتالي على أهمية النقاش فيه، فالتاريخ يسجل أن أجهزة الاتحاد الاشتراكي كانت دورية الانعقاد والاشتغال حتى قبل صدور قانون الأحزاب، وهو نفس التاريخ الذي يسجل اليوم أن حتى المكتب السياسي لم تعد اجتماعاته دورية، بل إن الاتحاد الاشتراكي اليوم لم يعقد حتى الآن اجتماعا لمجلسه الوطني، على الأقل لنقاش هزيمته الانتخابية، في الوقت الذي حتى تلك الأحزاب التي كانت بالأمس تسمى إدارية، عقدت أجهزتها التقريرية الوطنية، ومكنت منخرطيها من المساهمة في قرارات أحزابها المستقبلية، إلا الاتحاد الاشتراكي فقد جعل قرار الحزب بيد كاتبه الأول الحالي.

فلو كان بإمكان السي عبد الرحمان اليوسفي أن يخاطب الاتحاديات والاتحاديين اليوم، كان سيكتب:

من عبد الرحمان اليوسفي إلى:

من بقي في الاتحاد وفيا لفكرته، ومن ابتعد عنه لأنه لم يعد يجد فيه الحزب الذي كان يعرفه، وإلى القيادة والمكتب السياسي، وإلى كل من يعنيه مستقبل الديمقراطية في هذا البلد.

لو كان لي أن أخاطبكم اليوم، بعد كل ما عرفه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من تحولات وانتصارات وانكسارات، لما بدأت حديثي بالدعوة إلى الاصطفاف وراء شخص، ولا بتعداد أخطاء الخصوم وهم كثر داخل الحزب للأسف، بل صاروا اليوم معينين في أجهزته القيادية.

كنت سأبدأ من قضية أعمق بكثير، ومن قاعدة معلومة لدى الكثير، وهي أن الحزب الذي لا يراجع نفسه يفقد مع الزمن القدرة على أن يكون قوة تغيير في المجتمع، وهذه هي المسألة التي ينبغي أن تواجهها الحركة الاتحادية اليوم بلا خوف ولا مجاملة، فالخطر الذي يواجه الاتحاد الاشتراكي ليس مجرد هزيمة انتخابية، ولا اختلافا طبيعيا بين مناضليه، هذه كلها ظواهر يمكن للحزب أن يتجاوزها، فالخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول التراجع السياسي إلى تآكل تنظيمي، وعندما يصبح ضعف الحضور الاجتماعي نتيجة لضعف الحياة الحزبية الداخلية، وعندما يفقد الحزب شيئا فشيئا القدرة على إنتاج المواقف والقيادات والكفاءات.

أيها الاتحاديون، يجب أن تكون الصراحة هي نقطة البداية، فالمشكلة الأساسية التي يواجهها الاتحاد الاشتراكي اليوم مرتبطة، بطريقة ممارسة المسؤولية الأولى للحزب، وبالآثار التي ترتبت عن استمرار نفس الشخص فيها، وبمركزية القرار السياسي والتنظيمي لديها، وهذا القول لا يعني اختزال الحزب في شخص الكاتب الأول، فالحزب أكبر من أي قيادة، والقيادات مهما طال بقاؤها فهي عابرة في تاريخ المؤسسات، لكن القيادة في الأحزاب الديمقراطية ليست ملكية ولا امتيازا شخصيا، ولا حقا مكتسبا بحكم الأقدمية، لكنها مسؤولية سياسية مؤقتة، تستمد مشروعيتها من المؤسسة وتظل خاضعة للمساءلة والتقييم وإمكانية التداول، ولهذا فإن إعادة انتخاب الكاتب الأول إدريس لشكر لولاية رابعة، بتلك الطريقة الغريبة عن الأعراف الديمقراطية ( فما الديمقراطية غير زمن؟)، والتي ألبست قصرا لباس قرار المؤتمر، وإن كانت قابلة للنقاش من الناحية التنظيمية فهي غير مشروعة من الناحية السياسية، فالتمديد المتكرر للقيادة لا يتعلق فقط باسم الكاتب الأول، بل لقد أثر في الثقافة التنظيمية للحزب وفي قدرته على إنتاج البدائل، فكلما طال استقرار شخص واحد في مركز القرار، ازدادت بصورة طبيعية، أهمية العلاقات التي تنشأ حول ذلك الشخص، وتضاءلت فرص التداول التلقائي، وأصبح من الأصعب على كفاءات جديدة أن تبني لنفسها موقعا مستقلا داخل التنظيم.

هذه ليست مسألة شخصية، وإنما قاعدة معروفة في حياة المؤسسات، فحين يطول استقرار الأشخاص في مواقع القرار، يصبح من الصعب الفصل بين استقرار المؤسسة واستمرار هؤلاء الأشخاص، ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية، فالقيادة القوية ليست التي تستمر أطول فترة ممكنة، وإنما تلك التي تستطيع أن تبني مؤسسة تستطيع الاستمرار بعدها، والقائد الذي يطمئن إلى قوة الحزب ينبغي أن يكون أكثر الناس حرصا على إعداد البدائل، وعلى حماية استقلالية الإطار، وعلى ضمان أن يكون التغيير ممكنا داخل المؤسسة دون أن يتحول إلى أزمة. أما الحزب الذي يصبح فيه استمرار القيادة شرطا لاستقرار التنظيم، فإنه يكون قد بدأ، من حيث لا يعلم، في نقل مركز الثقل من المؤسسة إلى الشخص، وهذا ما كان على الاتحاد أن يتجنبه.

لقد كان الاتحاد الاشتراكي في مراحل قوته حزبا يقوم على فكرة قبل أن يقوم على جهاز، حيث كانت السياسة هي التي تعطي التنظيم معناه، وكان المناضل ينتمي إلى مشروع سياسي وفكري لا إلى شبكة من العلاقات، وكان الاختلاف داخل الحزب جزء من حياته الطبيعية، لا تهديدا لوجوده، أما حينما أصبح الانتماء السياسي للحزب مرتبطا بالقرب من مركز القرار، وحينما أصبح الصعود التنظيمي مرتبطا بدرجة الولاء للأشخاص أكثر مما يرتبط بالكفاءة والنضال والاستقلالية، فإن التنظيم قد فقد كثيرا من طبيعته السياسية وتحول تدريجيا إلى شبكة من المصالح.

لكن المسؤولية تتطلب شيئا من الإنصاف، فليس كل من يوجد في محيط القيادة الحالية وصوليا، وليس كل من يعارضها مناضلا مثاليا، فالسياسة أكثر تعقيدا من هذه التقسيمات التي يحاول المسؤول الأول عن الحزب اليوم ترسيخها بشكل عكسي لدى الرأي العام الحزبي والوطني، من خلال تخوين كل من أبدى رأيا يخالف رغباته، فثروات الأحزاب الديمقراطية لا تقاس بأعداد المتحلقين حول القيادة، وبأعداد المصفقين لها من دون شرط، وإنما ثروتها الحقيقية هي مناضليها وأطرها، فالإطار الحقيقي ليس بالضرورة من يجد كرسيا على منصة إلى جانب قيادة الحزب، بل هو ذلك المناضل الذي يستطيع أن يقول للقيادة إن قرارها خاطئ، وأن يعارضها دون أن يتحول إلى خصم شخصي، وأن يخسر موقعا دون أن يخسر كرامته، وأن يظل وفيا للحزب لأنه وفي لفكرته لا لأنه ينتظر من القائد مكافأة، هذا النوع من المناضلين هو ثروة أي حزب ديمقراطي.

إن الحزب الذي لا يستطيع إنتاج رجال ونساء مستقلين في الرأي، قادرين على تحمل المسؤولية وعلى معارضة القيادة حين تقتضي الضرورة، يفقد بالتدريج قدرته على تجديد نفسه، هنا تظهر خطورة تفريغ التنظيم من خصوصيته، فليس المطلوب من الحزب أن يغلق أبوابه أمام الوجوه الجديدة، بالعكس، الحزب الذي لا يجدد نخبه يموت. لكن التجديد شيء والاستبدال شيء آخر، التجديد يعني أن يدخل إلى الحزب أشخاص جدد حاملين لكفاءات وأفكار وتجارب اجتماعية جديدة، ثم يندمجوا في مشروعه ويطوروه، أما الاستبدال وهو ما يعرفه الاتحاد اليوم، فيعني أن يتراجع الإطار الذي راكم التجربة والنضال لصالح أشخاص تكون صلتهم بالمشروع السياسي أضعف من صلتهم بالكاتب الأول، هكذا لا يعود التجديد تجديدا، بل يصبح تفريغا، والخطر الأكبر أن هذه العملية قد لا تظهر في البداية، وقد يبدو الحزب أكثر نشاطا، وأكثر حضورا، وأكثر قدرة على تعبئة الأشخاص، لكن هذا النشاط التنظيمي لا يكون بالضرورة حيوية سياسية.

إن الحزب الحي هو الذي تصنع فيه القاعدة قيادتها، وتنتقل فيه الأفكار من القاعدة إلى القيادة كما تنتقل القرارات من القيادة المختارة إلى القاعدة، أما حين تسير العملية في اتجاه واحد، من المركز إلى الأطراف، فإن التنظيم يتحول إلى جهاز تنفيذ، وهذا لا يليق بتاريخ الاتحاد الاشتراكي، والمهم أن هذه المشكلة لم تتوقف عند التنظيم، فالقيادة المركزية وطول استمرار نفس الشخص في موقع القرار أثر بشكل مباشر على وضوح الخط السياسي للحزب، وأصبح من الصعب، أن يرى المواطن بوضوح المسافة السياسية التي تفصل الاتحاد عن بقية الفاعلين.

نعم إن الواقعية السياسية ليست عيبا، والتعاون مع مؤسسات الدولة ليس تناقضا مع الديمقراطية، كما أن المشاركة في تدبير الشأن العام ليست خروجا عن مبادئ اليسار، لكن الواقعية تصبح انتهازية عندما تفقد تفسيرها السياسي، والمرونة تصبح ميوعة عندما لا تعود مرتبطة بمبادئ ثابتة، والأخطر عندما تصبح مواقف الحزب قابلة للتفسير بكل الاتجاهات، وعندما يتغير الخط السياسي دون أن يصاحبه تفسير مقنع، فالمشكلة هنا لم تعد في موقف بعينه، وإنما أصبحت في المصداقية التي تجعل المواقف قابلة للتصديق.

وأعتقد أن هذا هو جوهر الأزمة التي يعيشها الاتحاد، فهو أصبح محتاجا إلى استعادة شخصيته السياسية، وإلى استعادة المبدأ الذي جعل خطابه مؤثرا لعقود، وإلى أن تكون للحزب فكرة واضحة، ومصالح اجتماعية يدافع عنها، واستقلالية سياسية، ومؤسسات حقيقية، ومناضلون يشعرون أن لهم مكانا في صناعة القرار، لا موظفين وخداما لنزوات المسؤول الأول عن الحزب.

ولهذا فإن الاختلاف حول القيادة الحالية ينبغي ألا يتحول إلى معركة شخصية، فهذا سيكون ظلما للحقيقة، كما سيكون خطأ سياسيا قاتلا، فلا معنى إذا تغير الكاتب الأول وبقيت طريقة صناعة القرار نفسها، وبقيت العلاقة بين المركز والفروع كما هي، وبقي اختيار المرشحين على أساس نفس الاعتبارات، وبقي المناضل المستقل ضعيفا، فالمطلوب أعمق من ذلك، وهو أن يستعيد الحزب مؤسساته بعد أن تم تعويمها بمن لا يجد حرجا في التبرء من الانتماء إليها، وأن يصبح المؤتمر سلطة سياسية حقيقية، لا محطة لتجديد الولاء، وأن يصبح المجلس الوطني فضاء للمساءلة والتوجيه، وأن تستعيد الفروع والأقاليم والجهات وظيفتها السياسية، وأن تكون القطاعات المهنية والاجتماعية مدارس لصناعة الأفكار والقيادات، وأن يصبح للشباب طريق واضح إلى المسؤولية، لا مجرد زبائن أو حضور في الصور والواجهات، وأن تصبح معايير الاختيار داخل الحزب قائمة على الكفاءة والنضال والنزاهة والقدرة على تمثيل المجتمع، لا على القرب من الأشخاص.

هذه ليست شروطا مثالية، إنها الحد الأدنى الذي يجعل من التنظيم حزبا، ولذلك فإن المسؤولية اليوم تقع على الجميع، ولكنها تقع قبل غيرهم على من يملك القرار، فالقيادة الحالية لا يمكنها أن تستمر في جعل الولاية الرابعة مرحلة دفاع عن وضع قائم، وفرصة لتثبيت مشروع وتصور اتضح للجميع أنه مشروع خاسر، ومشروع بعيد عن قيم الاتحاد، وعن أعراف الاتحاد، فالأمر لا يتعلق بفريقين، ولا بضرورة انتصار فريق على آخر، كما يتصور الأمر الكاتب الأول الحالي، وإلا اندثر الاتحاد، وإن استمر سيستمر بدون اتحاديين، بل بمنتمين مرتبطين بالمصالح أكثر من ارتباطهم بالمشروع.

أما الشباب الاتحادي، فعليه أن يدرك أن أمامه مسؤولية خاصة، فليس مطلوب منه أن يرث تجربة الأجيال السابقة كما هي، وإنما أن يبني امتدادها في شروط المغرب الجديد، فلا يمكن أن يبقى الاتحاد أسيرا لأسئلة الماضي، لكنه لا يستطيع أيضا أن يعيش بلا بوصلة فكرية، فالمطلوب اشتراكية ديمقراطية جديدة في أدواتها، ثابتة في قيمها، اشتراكية تنظر إلى الفوارق الاجتماعية الجديدة، وإلى تحولات الاقتصاد، وإلى التكنولوجيا، وإلى التعليم، وإلى البيئة، وإلى العمل غير القار، وإلى الطبقة الوسطى، وإلى الفئات التي لم تعد تجد نفسها في الخطابات الحزبية التقليدية، هذا التجديد الفكري هو وحده القادر على ضمان استمرارية التنظيم من خلال الحياة الجديدة التي سيوفرها للشباب.

أيها الاتحاديات أيها الاتحاديون، إن الاتحاد ليس في حاجة إلى منقذ، فالحزب الذي يحتاج إلى شخص واحد لإنقاذه يكون قد خسر قبل أن تبدأ المعركة، فلا وجود للزعيم الضرورة، وللقائد الضرورة، الاتحاد يحتاج إلى مناضليه، وإلى مؤسساته، وإلى كفاءاته، وإلى شبابه، وإلى قدرته على مراجعة نفسه، والقيادة التي تؤمن بمستقبل الحزب لا ينبغي أن تخشى من بناء البدائل، لأن القيادة التي لا تستطيع أن تنتج بديلا تكون قد جعلت ضعف المؤسسات شرطا لبقائها.

إنني لا أدعوكم إلى الانقسام، ولا إلى تصفية الحسابات، ولا إلى التشكيك في كل شيء، بل أدعوكم إلى شيء أكثر صعوبة، أدعوكم إلى لحظة صدق جماعية، لحظة نعترف فيها بأن الاتحاد يحتاج إلى إصلاح، وأن الإصلاح لا يمكن أن يتم بتغيير الوجوه وحده، وأن استمرار أي قيادة لا ينبغي أن يصبح غاية في حد ذاته، وأن التنظيم الذي يفقد استقلالية مناضليه يفقد في النهاية استقلالية قراره.

إن إنقاذ الاتحاد يبدأ عندما يتوقف الاتحادي عن الخوف من قول رأيه، وتتوقف القيادة عن اعتبار الرأي المختلف تهديدا، فليكن اختلافنا اختلافا حول المشروع، لا حول الأشخاص، وليكن تنافسنا على من يستطيع خدمة الحزب، لا على من يستطيع خدمة نفسه من خلال الحزب، وليكن المؤتمر القادم فرصة لتجديد الخط السياسي للحزب، لا مجرد مناسبة لتجديد المواقع، فالاتحاد الاشتراكي لا يحتاج إلى أن يحافظ على كل ما هو قائم حتى يبقى وفيا لتاريخه، بل على العكس إن الوفاء الحقيقي لتاريخ الاتحاد يقتضي أن تمتلكوا الشجاعة نفسها التي امتلكها المؤسسون عندما أدركوا أن الواقع لم يعد يحتمل الصمت، فلا تجعلوا من تاريخ الاتحاد حجة على مستقبله، ولا تجعلوا من احترام أجهزة جرى تعويمها وتمييعها سببا لعدم مساءلة قياداته، ولا تجعلوا من وحدة الصف ذريعة لإسكات الاختلاف، فالوحدة الحقيقية هي أن تبقى الفكرة أقوى من الأشخاص، والمؤسسة أقوى من القيادة، والمشروع أقوى من المواقع.

فباستعادة الاتحاد لهذه المعادلة، سيستطيع أن يبدأ من جديد، أما إذا ظل أسير الخوف من التغيير، فإن الخطر لن يكون في أن يخسر مقاعد انتخابية أخرى، وإنما في أن يحتفظ باسمه بينما يفقد شيئا من المعنى الذي جعل لهذا الاسم مكانة في تاريخ المغرب، فلا تنقذوا القيادة من النقد والمساءلة، ولكن أنقذوا الحزب من أن يصبح بلا نقد وبلا مساءلة، ولا تحموا الأشخاص من التداول، بل احموا المؤسسة بالتداول، فالاتحاد الذي ناضل من أجل أن تكون المؤسسات أقوى من الأشخاص لا يجوز له بعد كل هذا التاريخ، أن يسمح للأشخاص بأن يصبحوا أقوى من المؤسسات، هذا هو الاختبار الحقيقي اليوم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *