أَلْجَزَائِرُ بَارِيسُ – أَعْمَالٌ سَامَّةٌ”: قُنْبُلَةٌ/كِتَابٌ اسْتِقْصَائِيٌّ مَوْقُوتَةٌ تَكْشِفُ كَوَالِيسَ حَرْبٍ اسْتِخْبَارَاتِيَّةٍ فِي قَلْبِ فَرَنْسَا… وَأَسْرَارَ أَعْمَقِ أَزْمَةٍ أَمْنِيَّةٍ وَدِبْلُومَاسِيَّةٍ بَيْنَ بَارِيسَ وَالْجَزَائِرِ
عبدالقادر كتـــرة
يشهد يوم 30 شتنبر 2026 حدثاً سياسياً وإعلامياً من العيار الثقيل بصدور كتاب استقصائي جديد في العاصمة الفرنسية تحت عنوان “الجزائر باريس – أعمال سامة” (Alger Paris – Affaires toxiques).
الكتاب الذي وقعه كل من كريستوف دوبوا، كبير مراسلي قناة TF1، وماري-كريستين تابيه، المراسلة السابقة في كبريات الصحف الفرنسية، لا يكتفي بسرد الخلافات الدبلوماسية المعتادة بين البلدين، بل يغوص في كواليس مظلمة تكشف تحول الساحة الفرنسية إلى مسرح لـ”حرب باردة” وعمليات استخباراتية تقودها الجزائر ضد معارضيها في المنفى.
يأتي هذا الكتاب بعد إحدى عشرة سنة من إصدار الثنائي لكتابهما الأول “باريس الجزائر: قصة عاطفية” (2015)، والذي أثار حينها ضجة واسعة بكشفه عن الثروات الخفية للمسؤولين الجزائريين في عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة. لكن الصورة اليوم تبدو أكثر قتامة، فالعلاقة “العاطفية” تحولت، بحسب المؤلفين، إلى علاقة “سامة” بامتياز في ظل نظام الرئيس عبد المجيد تبون، وتجاوزت حد الفساد المالي لتصل إلى تهديد الأمن القومي الفرنسي.
الانعطافة الخطيرة: دبلوماسية الأزمة والعمليات السرية
يربط التحقيق الاستقصائي التدهور غير المسبوق في العلاقات بين البلدين بالسياق الجيوسياسي، وتحديداً منذ أواخر يوليو 2024، حين أعلنت باريس دعمها الصريح لسيادة المغرب على الصحراء، وهو ما ردت عليه الجزائر بسحب سفيرها. هذه القطيعة الدبلوماسية لم تكن سوى واجهة لتحركات أعمق وأكثر عنفاً في الكواليس.
يكشف الكتاب، استناداً إلى أرشيف أمني فرنسي ومحاضر تحقيقات قضائية، أن الجزائر لجأت إلى أساليب تصفية الحسابات الجسدية خارج حدودها.
الأخطر في هذه التسريبات هو تخلي الأجهزة الجزائرية عن الأساليب التقليدية، ولجوؤها إلى تجنيد شبكات الإجرام المحلي في فرنسا، في محاولة لإبعاد الشبهة الرسمية.
تفاصيل مرعبة: قتلة مأجورون وفخاخ إلكترونية
يُخصص الكتاب حيزاً واسعاً لعملية أُطلق عليها أمنياً اسم “عملية روبيه” (Roubaix). وتشير الوثائق التي اطلع عليها المؤلفان إلى محاولة اغتيال استهدفت الصحفي والضابط الجزائري السابق “هشام عبود” بين شهري يناير وفبراير 2025.
التفاصيل تبدو وكأنها مقتبسة من أفلام التجسس: تجنيد شابين من ذوي السوابق الجنائية من ضواحي مدينتي ليون ومارسيليا، التواصل معهم عبر منصات “الإنترنت المظلم” وتطبيق “سيغنال”، وتخصيص مبلغ 10 آلاف يورو لتنفيذ عملية التصفية.
لم تتوقف المحاولات عند هذا الحد، بل شملت “فخاخاً استدراجية”، كشفتها تحقيقات الأجهزة الفرنسية. من بينها محاولة استدراج المعارض “توفيق بن نصر” عبر فتاة أوهمته بعلاقة عاطفية ودعته للقاء في جنوب إسبانيا تمهيداً لاختطافه، بالإضافة إلى محاولة اختطاف أخرى تعرض لها هشام عبود في برشلونة في أكتوبر 2024.
القضاء الفرنسي يدخل على الخط
لم تبق هذه العمليات طي الكتمان داخل دوائر الاستخبارات، بل أخذت مساراً قضائياً رسمياً في فرنسا.
فقد وضعت النيابة العامة الوطنية لمكافحة الإرهاب والمديرية العامة للأمن الداخلي يدها على هذه الملفات. واعتبر القضاء الفرنسي أن استخدام شبكات إجرامية محلية لتنفيذ أجندات ومشاريع اغتيال لصالح قوة أجنبية يشكل “تهديداً خطيراً للأمن العام الفرنسي”.
رفضت السفارة الجزائرية في باريس الرد على استفسارات مؤلفي الكتاب التي وُجهت إليها في مايو 2026، مفضلة سياسة الصمت. لكن هذا الصمت لن يوقف التداعيات التي قد يحملها الكتاب.
تداعيات مفتوحة على كل الاحتمالات
يطرح خروج هذه المعلومات الموثقة إلى العلن تساؤلات كبرى حول مستقبل العلاقات بين الإليزيه وقصر المرادية.
ففرنسا لا يمكنها، سياسياً وأمنياً، التغاضي عن تنفيذ عمليات تصفية أو تجنيد لعصابات على أراضيها، مما قد يؤدي إلى أزمة دبلوماسية غير مسبوقة، قد تتمدد لتشمل دولاً أوروبية أخرى.
علاوة على ذلك، يفتح التدخل القضائي الفرنسي الباب أمام احتمالية إصدار مذكرات توقيف دولية ضد شخصيات أمنية وسياسية جزائرية رفيعة المستوى متورطة في هذه العمليات.
بالنسبة للداخل الجزائري والجالية في المهجر، يعمق هذا الكتاب الشعور بالقلق. فهو يُظهر سلطة منشغلة بملاحقة معارضيها وإسكات الأصوات الناقدة في الخارج، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية واجتماعية ضخمة تدفع بشبابها نحو قوارب الهجرة. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية المستقبلية في كلا البلدين، يبدو أن كتاب “أعمال سامة” ليس مجرد توثيق لجرائم سياسية، بل هو إعلان رسمي عن بلوغ العلاقات الجزائرية الفرنسية نقطة اللاعودة.

