مِن نُوَاكْشُوطَ إِلَى تِنْدُوفَ: مُخَطَّطٌ إِيرَانِيٌّ لِاخْتِرَاقِ السَّاحِلِ وَتَطْوِيقِ الْمِحْوَرِ الْمُعْتَدِلِ… كَيْفَ تَحَوَّلَ مِحْوَرُ (الْجَزَائِرِ – الْبُولِيسَارْيُو) إِلَى رَأْسِ حَرْبَةٍ لِلْحَرَسِ الثَّوْرِيِّ فِي شَمَالِ إِفْرِيقْيَا؟

مِن نُوَاكْشُوطَ إِلَى تِنْدُوفَ: مُخَطَّطٌ إِيرَانِيٌّ لِاخْتِرَاقِ السَّاحِلِ وَتَطْوِيقِ الْمِحْوَرِ الْمُعْتَدِلِ… كَيْفَ تَحَوَّلَ مِحْوَرُ (الْجَزَائِرِ – الْبُولِيسَارْيُو) إِلَى رَأْسِ حَرْبَةٍ لِلْحَرَسِ الثَّوْرِيِّ فِي شَمَالِ إِفْرِيقْيَا؟

عبدالقادر كتـــرة

في منتصف سبتمبر 2026، استدعت وزارة الخارجية الموريتانية السفير الإيراني بنواكشوط للاحتجاج على تحركات “لا تنسجم مع الأعراف الدبلوماسية”، عقب زيارة غير منسقة لولاية الترارزة.

لم يكن هذا الاستدعاء مجرد إجراء بروتوكولي، بل كان جرس إنذار يعكس تنامي القلق الإقليمي من استراتيجية إيرانية هادئة، لكنها شديدة الخطورة، تهدف إلى اختراق غرب إفريقيا ومنطقة الساحل.

ولعل الخيط الناظم لهذه الاستراتيجية لا يقف عند حدود الدبلوماسية الدينية، بل يمتد ليشكل تهديداً جيوسياسياً مباشراً، تجسده بوضوح تحركات أذرع الحرس الثوري الإيراني في شمال إفريقيا، متخذة من التحالف مع الجزائر ودعم جبهة البوليساريو منصة انطلاق استراتيجية.

– استراتيجية التمدد وتصدير الأيديولوجيا

لا تبحث إيران في غرب إفريقيا عن شراكات اقتصادية أو تحالفات دبلوماسية تقليدية؛ بل تسعى إلى تغيير الخارطة الديموغرافية والروحية للمنطقة.

تعتمد طهران على واجهة “الدبلوماسية الثقافية” كغطاء مؤسسي لتمرير أجندة أمنية معقدة.

– تلعب مؤسسات مثل “جامعة المصطفى العالمية” دوراً محورياً في استقطاب النخب الشابة والمبتعثين، ليس فقط لتلقينهم أكاديمياً، بل لتأطيرهم عقائدياً ضمن أيديولوجيا “ولاية الفقيه”.

– تتحول الملحقيات الثقافية، في كثير من الأحيان، إلى غطاء لوجستي لـ “فيلق القدس”، حيث يتم رصد الكفاءات وتجنيد العناصر لخلق حواضن مجتمعية تدين بالولاء المباشر لطهران، مما يمهد لتشكيل أوراق ضغط داخلية ضد الحكومات المحلية.

– محور (إيران – الجزائر – البوليساريو) وعسكرة النزاع

إذا كانت استراتيجية إيران في غرب إفريقيا تعتمد على الاختراق الناعم، فإنها في شمال إفريقيا تنتقل إلى العسكرة المباشرة، متقاطعة مع الأجندة الجزائرية الرامية إلى معاكسة المصالح المغربية.

– التقاطع الاستراتيجي: تجد إيران في الجزائر بوابة شرعية وحليفاً لتسهيل تغلغلها في واجهة الأطلسي وتطويق المحور الرافض للتمدد الشيعي، بينما تجد الجزائر في الدعم الإيراني أداة لتسليح جبهة البوليساريو وتصعيد التوتر الإقليمي.

– الانخراط الميداني: برز هذا المخطط بوضوح في عام 2018، عندما قطع المغرب علاقاته مع طهران، مقدماً أدلة قاطعة على تورط عناصر من “حزب الله” اللبناني (الذراع الأبرز للحرس الثوري) في تدريب ميليشيات البوليساريو، بإشراف وتسهيل جزائري، داخل مخيمات تندوف.

هذا التخادم يحول الجبهة الانفصالية إلى وكيل ميداني يعمل لخدمة أجندات مزدوجة: زعزعة استقرار المغرب وتأمين موطئ قدم للحرس الثوري على مشارف الساحل.

– الطوق المضاد: الدبلوماسية الروحية والمشاريع السيادية

أمام هذا الزحف متعدد الأوجه، لا تقف دول المنطقة، وعلى رأسها المغرب، مكتوفة الأيدي. تتجاوز الاستراتيجية المغربية الردود الظرفية لتبني طوقاً دفاعياً متكاملاً:

– تحصين الأمن الروحي: عبر مؤسسات مهيكلة كـ “معهد محمد السادس لتكوين الأئمة” و”مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة”، والاعتماد على الروابط التاريخية مع الطرق الصوفية (كالتجانية والقادرية)، يبني المغرب حائط صد فكري يمنع استغلال هشاشة الساحة الدينية الإفريقية.

– الهندسة الجيوسياسية: تدرك الدبلوماسية المغربية أن الفراغ التنموي هو المنفذ الأبرز للاختراق. ومن هنا تأتي “المبادرة الملكية الأطلسية” كضربة استباقية؛ فمن خلال ربط دول الساحل المغلقة (مالي، النيجر، بوركينا فاسو، وتشاد) بالموانئ الأطلسية المغربية، تسحب الرباط هذه الدول من دائرة العزلة والهشاشة، وتدمجها في محور تنموي وسيادي يقطع الطريق على “دبلوماسية الجمعيات الخيرية” الإيرانية.

ختاما، إن الاستدعاء الموريتاني للسفير الإيراني يمثل نقطة في بحر صراع استراتيجي معقد. لقد باتت دول المنطقة تدرك أن التمدد الإيراني، سواء ارتدى عباءة الدين والثقافة في الساحل، أو اختبأ خلف البنادق وميليشيات البوليساريو في تندوف بغطاء جزائري، يشكل تهديداً وجودياً للأمن القومي والإقليمي.

وفي هذه المعادلة، يقف المغرب، عبر مبادراته التنموية ودبلوماسيته الروحية القوية، ومعه الدول الحليفة الرافضة للاختراق، كصمام أمان يحول دون تحويل شمال وغرب إفريقيا إلى ساحة خلفية لحروب الوكالة التي يديرها الحرس الثوري.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *