الْحَلُّ النِّهَائِيُّ الْأَمْرِيكِيُّ: بَرَاغمَاتِيَّةُ وَاشِنْطُنَ تَضَعُ الْجَزَائِرَ أَمَامَ اِمْتِحَانِ التَّارِيخِ… تِكْنُولُوجْيَا أَمْرِيكِيَّةٌ لِإِنْقَاذِ الِاقْتِصَادِ مُقَابِلَ طَيِّ صَفْحَةِ الْبُولِيسَارْيُو.. كَوَالِيسُ الْعَرْضِ الْأَمْرِيكِيِّ
عبدالقادر كتـــرة
في عالم السياسة، لا تتحرك القوى العظمى من أجل التقاط الصور التذكارية. حينما تحط طائرة مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في العاصمة الجزائرية للمرة الثالثة خلال عام ونصف، وفي توقيت حساس يسبق اجتماعات مجلس الأمن، فإن الأمر يتجاوز بكثير بروتوكولات المجاملة الدبلوماسية.
نحن هنا أمام ما يمكن تسميته بـ “دبلوماسية الصفقات”، حيث تضع واشنطن على الطاولة “حلاً نهائياً” لمعضلة الصحراء الغربية المغربية، يرتكز على لغة الأرقام والمصالح بدلاً من الشعارات.
خارطة الطريق الأمريكية: الواقعية تفرض نفسها لفهم العرض الأمريكي، يجب العودة خطوة إلى الوراء، وتحديداً إلى القرار الأممي رقم 2797. لقد رسم هذا القرار مساراً لا رجعة فيه، جاعلاً من مبادرة “الحكم الذاتي” تحت السيادة المغربية الأساس الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق لإنهاء هذا النزاع الذي عمّر لنصف قرن. الإدارة الأمريكية، المعروفة ببراغماتيتها العالية بقيادة ترامب، تدرك أن حلم “الانفصال” قد تبخر دولياً، وأن استمرار الوضع القائم لم يعد يخدم أحداً، بل يهدد استقرار منطقة استراتيجية تُطل على أوروبا وتتاخم الساحل الإفريقي المشتعل.
من هذا المنطلق، لم يأتِ المبعوث الأمريكي إلى الجزائر حاملاً عصا التهديد، بل جاء بـ “جزرة” استراتيجية لا يمكن مقاومتها، في ما يمكن اعتباره مهندسة لـ “الحل النهائي”.
– معادلة الحل النهائي: الغاز مقابل السلام
يقوم العرض الأمريكي على مبدأ المقايضة الجيواقتصادية: “نضمن لكم أمنكم الطاقوي والاقتصادي، مقابل ضمانكم للأمن الإقليمي وتسهيل طي ملف الصحراء”.
تعيش الجزائر معضلة اقتصادية صامتة؛ فاحتياطياتها من الغاز الطبيعي التقليدي تتناقص، واستهلاكها المحلي يلتهم أكثر من 60% من الإنتاج، مما يهدد مكانتها كمورّد رئيسي لأوروبا بحلول عام 2030.
المخرج الوحيد يكمن في ثروتها الهائلة من “الغاز الصخري”. لكن استخراج هذا الغاز يتطلب تقنيات استخراج (التكسير الهيدروليكي) معقدة ورؤوس أموال ضخمة تحتكرها الشركات الأمريكية الكبرى مثل “شيفرون” و”إكسون موبيل”.
هنا يتدخل “الحل النهائي الأمريكي”: واشنطن مستعدة لضخ عشرات المليارات من الدولارات ونقل أحدث التكنولوجيات لتحويل الجزائر إلى قوة عظمى في مجال الغاز الصخري، لتأمين مستقبل البلاد الاقتصادي وتقليل اعتماد أوروبا على الغاز الروسي. لكن الثمن السياسي واضح: يجب على الجزائر التخلي عن تعنتها الأيديولوجي، ورفع الغطاء عن جبهة البوليساريو، والقبول بحل الحكم الذاتي المغربي كأمر واقع لا مفر منه.
– الجزائر أمام امتحان التاريخ
يضع هذا العرض القيادة الجزائرية أمام مفترق طرق تاريخي. الخيار الأول هو التشبث بموقف أيديولوجي يعود لحقبة الحرب الباردة، والاستمرار في دعم مشروع انفصالي استنزف خزينة الدولة ولم يعد يحظى بأي دعم دولي وازن، مع ما يعنيه ذلك من تضييع لفرصة الإنقاذ الاقتصادي.
أما الخيار الثاني، فهو الاحتكام إلى لغة العقل والبراغماتية، وتغليب المصلحة الوطنية العليا للـ 45 مليون جزائري على مصالح تنظيم مسلح.
نهاية حقبة إن “الحل النهائي” الذي تصيغه واشنطن اليوم لا يسعى إلى إعلان فائز ومهزوم بقدر ما يسعى إلى إعادة ترتيب أولويات شمال إفريقيا. إذا استجابت الجزائر لصوت العقل وقبلت بالصفقة، فإنها ستؤمن مستقبلها الاقتصادي، وسيتمكن المغرب من تكريس سيادته وإنهاء الاستنزاف، وستربح المنطقة بأسرها استقراراً تأخر كثيراً.
لقد ولى زمن الشعارات، وبدأ عصر التحالفات القائمة على المصالح. والسؤال الآن لم يعد حول “هل تُطوى صفحة الصحراء الغربية المغربية؟”، بل “كيف سيتم إخراج المشهد الأخير بما يحفظ ماء الوجه للجميع ويؤسس لواقع اقتصادي جديد؟”. الأيام القادمة، خاصة قبل تاريخ 31 أكتوبر، كفيلة بتقديم الإجابة.

