شِعَارُ “الإِنْسَانِيَّةِ” المَلْغُومُ فِي اللِّيجَا الإِسْبَانِيَّةِ: هَلْ تَكِيلُ الفِيفَا بِمِكْيَالَيْنِ أَمَامَ تَسْيِيسِ “اللِّيجَا”؟… كُرَةُ القَدَمِ فِي فَخِّ السِّيَاسَةِ وَدَعْوَةٌ لِتَدَخُّلٍ دَوْلِيٍّ حَازِمٍ لِحِمَايَةِ حِيَادِ المَلَاعِبِ
عبدالقادر كتـــرة
أليس إرغام لاعبي فرق أسبانية بالليغا حمل أقمصة تضامنية مع حادث سبتة، تسييسا للقضية ، وهو ما يتعارض مع قوانين وأخلاق الرياضة وميثاق الفيفا؟؟؟
أليس لهذه الخطوة الإسبانية في إقحام السياسة في الرياضة تداعيات على مستقبل الرياضة والعلاقات بين الدول مع العلم أن فيفا تدخلت غير ما مرة لمعاقبة كل عملية تسييسية للرياضة؟
شعار “الإنسانية” الملغوم: هل تكيل الفيفا بمكيالين أمام تسييس الملاعب الإسبانية
منذ نشأتها، وُجدت الرياضة، وعلى رأسها كرة القدم، لتكون جسراً للتواصل الإنساني، وقوة ناعمة تتجاوز حدود الجغرافيا وتذيب الخلافات السياسية بين الشعوب. غير أن المشهد الذي طفت ملامحه مؤخراً في الملاعب الإسبانية، حيث أُلزم لاعبو أندية بارزة في “لا ليغا” بارتداء أقمصة تحمل عبارة “TODOS SOMOS CABALLAS” (كلنا سبتة)، يدق ناقوس الخطر حول انزلاق خطير نحو تسييس اللعبة، واستغلال شعبيتها الجارفة لتمرير رسائل ذات أبعاد جيوسياسية معقدة.
ما تم تسويقه إسبانياً على أنه “تضامن إنساني” مع ساكنة المدينة إثر أزمة الهجرة، لا يمكن فصله عن سياقه السياسي والسيادي العميق. هذا التغليف “الإنساني” وضع العديد من اللاعبين المحترفين الأجانب، في مقدمتهم النجم المغربي عبد الصمد الزلزولي، في ورطة حقيقية ومأزق أخلاقي.
فقد وجد هؤلاء اللاعبون أنفسهم مجبرين بفعل “بروتوكول الأندية” على الانخراط في حملة تتصادم مع قناعاتهم، وتستفز مشاعر الجماهير في بلدانهم الأصلية، وهو ما يتنافى تماماً مع أبسط حقوق اللاعب في حماية حياده وانتمائه.
من الناحية القانونية الصرفة، يمثل هذا التصرف خرقاً صريحاً للمادة الرابعة من قوانين اللعبة التي صاغها المجلس الدولي لكرة القدم (IFAB)، والتي تتبناها الفيفا بصرامة. هذه المادة تحظر بشكل قاطع عرض أي شعارات أو بيانات سياسية، دينية، أو شخصية على المعدات الرياضية.
إن السماح للأندية بفرض مواقفها تحت مظلة “الإنسانية” يفتح الباب واسعاً أمام فوضى قد تحول الملاعب مستقبلاً إلى ساحات لتصفية الحسابات.
تاريخياً، لم تقف الفيفا مكتوفة الأيدي أمام محاولات اختراق الملاعب سياسياً، بل ضربت بيد من حديد في مناسبات عدة.
فقد عاقبت الاتحاد الأرجنتيني مراراً بسبب لافتات “جزر الفوكلاند”، وتدخلت بحزم عام 2018 لمعاقبة السويسريين تشاكا وشاكيري بسبب إشارة “النسر الألباني”.
ولم تسلم المنتخبات البريطانية من غرامات الفيفا عام 2016 حين أصرت على وضع شعار “زهرة الخشخاش” العسكري، فضلاً عن العقوبات القاسية التي طالت لاعبين رددوا هتافات ذات حمولة فاشية، كما حدث مع الكرواتي سيمونيتش.
وفي هذا السياق، تبرز الأهمية القصوى للتحرك المؤسساتي والقانوني الاستباقي من طرف الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، مدعومة بالاتحاد الإفريقي (CAF) والاتحاد العربي.
لا ينبغي ترك اللاعبين المحترفين يواجهون هذا الضغط النفسي بمفردهم، بل يجب تفعيل آليات الدفاع القانوني عبر مراسلة الفيفا رسمياً للتحقيق في هذه الخروقات، واللجوء إلى محكمة التحكيم الرياضي (الطاس / CAS) إذا لزم الأمر، لاستصدار قرارات ملزمة تحمي اللاعبين من الابتزاز أو الإكراه.
إن تشكيل جبهة رياضية ضاغطة سيوجه رسالة واضحة بأن استغلال قمصان الأندية لتمرير رسائل تمس السيادة الوطنية هو خط أحمر لا يمكن تجاوزه تحت ذريعة البروتوكول الداخلي.
اليوم، تقف المؤسسات الرياضية الدولية أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها. فالسؤال المطروح لم يعد مقتصراً على مدى قانونية ما قامت به أندية “الليغا”، بل يتجاوزه إلى: هل تمتلك الفيفا الجرأة لمعاقبة أندية ودوريات أوروبية كبرى تحظى بنفوذ مالي ضخم، أم أننا بصدد تكريس معايير مزدوجة تبيح للقوي ما تحرمه على غيره؟
إن السكوت عن هذا التسييس المبطن هو بمثابة تواطؤ يهدد استقرار العلاقات بين الدول عبر بوابة الرياضة. الملاعب يجب أن تظل مساحة للعب النظيف والتنافس الشريف، لا منابر للاستقطاب وتصدير الأزمات.

