زِلْزَالُ دِمَشْقَ وَصَمْتُ الْجَزَائِرِ: هَلْ يُوَاجِهُ الْمُقَاتِلُونَ الْأَجَانِبُ مِنْ عَسْكَرِ الْجَزَائِرِ وَمُرْتَزِقَةِ الْبُولِيسَارْيُو مِقْصَلَةَ الْعَدَالَةِ السُّورِيَّةِ؟
في الحادي عشر من غشت 2026، أصدرت محكمة الجنايات في دمشق أحكاماً تاريخية غيابية بالإعدام بحق الرئيس السوري السابق بشار الأسد، وشقيقه ماهر، وعدد من الرموز الأمنية للنظام الساقط. ورغم أن هذا الحدث يمثل نقطة تحول مفصلية في مسار العدالة الانتقالية السورية، إلا أن ارتداداته تتجاوز حدود بلاد الشام لتضرب في عمق شمال إفريقيا، وتحديداً في الجزائر ومخيمات تندوف.
خلف أسوار السجون السورية، يقبع مئات المعتقلين من الجنود والضباط الجزائريين وعناصر من جبهة البوليساريو، الذين تم أسرهم خلال معارك سقوط النظام. وهنا يبرز التساؤل الملح: هل تمتد مقصلة العدالة السورية لتشمل هؤلاء المقاتلين الأجانب؟ ولماذا تلوذ الآلة الإعلامية الرسمية في الجزائر بصمت مطبق حيال هذا الزلزال القضائي؟
العدالة السورية ومصير “المقاتلين بالوكالة”
إن موقف القيادة السورية الانتقالية يبدو حازماً وغير قابل للمساومة. فقد رفضت دمشق بشكل قاطع تسليم الضباط والجنود الجزائريين، مؤكدة أن كل من تورط في سفك دماء السوريين سيخضع للمحاكمة العادلة على الأراضي السورية.
من الناحية القانونية، لا يُعامل هؤلاء كمجرد أسرى حرب عاديين، بل يخضعون لتحقيقات جنائية دقيقة. إذا أثبتت الأدلة مشاركتهم المباشرة في المجازر أو ارتكابهم جرائم ضد الإنسانية مساندةً للنظام الدموي السابق، فإن القضاء السوري لن يتردد في إنزال أقصى العقوبات بحقهم، والتي قد تصل إلى الإعدام، أسوة برموز النظام الذي قاتلوا دفاعاً عنه.
هذا المسار القضائي يمثل رسالة دولية صارمة بأن زمن الإفلات من العقاب للمقاتلين العابرين للحدود قد ولى.
هندسة الصمت: تفكيك الخطاب الإعلامي الموجه
في مقابل هذا الحراك القضائي والإقليمي، يلاحظ المراقبون غياباً تاماً لخبر إدانة بشار الأسد في وسائل الإعلام الرسمية الجزائرية. هذا التعتيم ليس مجرد تجاهل عرضي، بل هو استراتيجية مدروسة لإدارة الخطاب الإعلامي وتوجيه الرأي العام الداخلي.
تسليط الضوء على هذه المحاكمات يعني حتمية فتح “صندوق باندورا”. فالحديث عن جرائم النظام السوري سيجر الإعلام الرسمي إلى مربع المساءلة الشعبية حول مصير أبناء المؤسسة العسكرية المتواجدين في سجون دمشق، وحول الدوافع والمسوغات الدستورية التي قادت إلى إرسال قوات نظامية للقتال في حرب خارجية دون شفافية أو تفويض شعبي. التعتيم هنا يعمل كأداة لامتصاص الصدمة وتجنب تناقض السردية الرسمية التي طالما سوقت لدعم حركات التحرر، لتجد نفسها متورطة في دعم نظام أُدين بجرائم إبادة.
التداعيات الجيوسياسية وإعادة رسم التحالفات
إن انكشاف هذا التورط العسكري له تداعيات عميقة على مستقبل العلاقات الإقليمية والمشاريع الاستراتيجية في المنطقة:
– العزلة الدبلوماسية في الساحل: تراقب دول الجوار، خاصة في منطقة الساحل والصحراء، هذه التطورات بحذر شديد. تورط قوات جزائرية وعناصر من البوليساريو في نزاع شرق أوسطي يضرب في مقتل صورة “الضامن الأمني” التي تحاول الجزائر رسمها في المنطقة. هذا الانكشاف سيدفع دولاً مثل مالي والنيجر إلى تعزيز ارتيابها من النوايا الإقليمية، والبحث عن شركاء استراتيجيين أكثر موثوقية لتأمين الممرات التجارية والمشاريع البنية التحتية العابرة للحدود بعيداً عن التدخلات العسكرية.
– الضربة القاضية للبوليساريو: يؤكد التواجد المسلح لعناصر البوليساريو في سوريا الطرح القائل بأن الجبهة تحولت إلى خزان للمرتزقة والمقاتلين بالوكالة.
هذا المعطى يوفر مادة دسمة للمجتمع الدولي لإعادة تقييم طبيعة هذا التنظيم، مما يعزز بشكل كبير الموقف الدبلوماسي للمغرب، ويسرع من طي صفحة هذا النزاع المفتعل إقليمياً ودولياً.
– الارتباك الداخلي والاقتصادي: إن تبديد الموارد في صراعات خارجية خاسرة يتناقض مع متطلبات التنمية الاقتصادية الداخلية. في ظل التحديات الماكرو-اقتصادية، يشكل هذا التورط عبئاً سياسياً قد يؤثر على ثقة الاستثمارات الأجنبية، ويزيد من حالة الاحتقان الداخلي متى انكشفت الكلفة البشرية والمادية الحقيقية لهذه المغامرات.
في الختام، المحاكمات الجارية في دمشق ليست حدثاً معزولاً، بل هي مرآة تعكس نهاية حقبة من التحالفات المبنية على التدخلات غير المحسوبة. إن استمرار سياسة الإنكار والتعتيم الإعلامي لن يقي من الارتدادات الجيوسياسية التي بدأت بالفعل في إعادة تشكيل موازين القوى والتأثير المباشر على مستقبل التوازنات في شمال إفريقيا.

