بِالْأَرْقَامِ وَالسِّيَاسَةِ: لِمَاذَا تَخْشَى أُورُوبَّا إِقَامَةَ نِهَائِيِّ مُونْدِيَالِ 2030 فِي مَلْعَبِ “الْحَسَنِ الثَّانِي” وَكَيْفَ يَكْسِرُ الْمَغْرِبُ الْهَيْمَنَةَ الْأُورُوبِّيَّةَ عَلَى الْفِيفَا؟…. 115 أَلْفَ مُتَفَرِّجٍ وَنِهَايَةُ الْوِصَايَةِ الْكُرَوِيَّةِ

بِالْأَرْقَامِ وَالسِّيَاسَةِ: لِمَاذَا تَخْشَى أُورُوبَّا إِقَامَةَ نِهَائِيِّ مُونْدِيَالِ 2030 فِي مَلْعَبِ “الْحَسَنِ الثَّانِي” وَكَيْفَ يَكْسِرُ الْمَغْرِبُ الْهَيْمَنَةَ الْأُورُوبِّيَّةَ عَلَى الْفِيفَا؟…. 115 أَلْفَ مُتَفَرِّجٍ وَنِهَايَةُ الْوِصَايَةِ الْكُرَوِيَّةِ

عبدالقادر كتـــرة

في عالم تتداخل فيه الرياضة بالسياسة والاقتصاد، لم يعد تنظيم تظاهرة بحجم كأس العالم مجرد حدث كروي، بل هو استعراض حقيقي لـ “القوة الناعمة” ومؤشر على المكانة الجيوسياسية للدول.

في هذا السياق، لم يكن مفاجئاً أن تتصاعد بعض الأصوات الإعلامية الأوروبية، وتحديداً الفرنسية، لمحاولة التشويش على التحضيرات لنسخة 2030 التي ينظمها المغرب بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.

مؤخراً، طالعتنا بعض المنابر أغلبها فرنسية مثل “ذا تايمز” و”آر إم سي سبورت” بادعاءات تتحدث عن “ابتزاز” متبادل بين رئيس الفيفا، جياني إنفانتينو، والمغرب؛ مفادها منح الرباط شرف استضافة نهائي 2030 مقابل دعم حملة إعادة انتخاب إنفانتينو عام 2027.

ورغم نفي الفيفا القاطع لهذه المزاعم، فإن قراءة متأنية للغة الأرقام، وللخريطة السياسية الجديدة لكرة القدم العالمية، تكشف الدوافع الحقيقية وراء هذه الحملة الممنهجة.

– لغة الأرقام: “الحسن الثاني” يفرض نفسه كواقع لا كمجاملة

محاولة تصوير فوز المغرب المحتمل بتنظيم النهائي كـ”صفقة سياسية” يصطدم بواقع صلب لا يقبل الجدل: البنية التحتية الجبارة. المغرب لا يبحث عن تعاطف أو وعود سرية، بل يقدم للعالم مشروع “ملعب الحسن الثاني” بضواحي الدار البيضاء، والذي سيقلب موازين استضافة الأحداث الكبرى.

لغة الأرقام تتحدث عن نفسها، وتبرز الفجوة التنظيمية التي تجعل الاستحقاق المغربي تقنياً قبل أن يكون سياسياً، وذلك يظهر جلياً عند مقارنة المشروع المغربي بملعب سانتياغو برنابيو الإسباني في عدة جوانب مفصلية:

طاقة استيعابية تكسر الأرقام القياسية: يتفوق الملعب المغربي بشكل كاسح، إذ صُمم ليصبح الأكبر في العالم بسعة جماهيرية تصل إلى 115 ألف متفرج، في حين تقف سعة “البرنابيو” عند حاجز 85 ألف متفرج. هذا الفارق الشاسع يعني حضوراً جماهيرياً أكبر وأجواء مونديالية غير مسبوقة.

منشأة مستقبلية مقابل إرث مجدد: يمثل ملعب الحسن الثاني مشروعاً مستقبلياً حديثاً، صُمم من الصفر وبأحدث التقنيات ليكون أيقونة مخصصة بالأساس لتلبية المعايير الصارمة لمونديال 2030. في المقابل، يعتمد الجانب الإسباني على ملعب تاريخي كلاسيكي تم إخضاعه لعمليات تجديد.

أريحية المساحات وتحدي الاكتظاظ: بفضل موقعه خارج الكثافة الحضرية المكتظة، يمتد الملعب المغربي على مساحات شاسعة تضمن سلاسة تدفق مئات الآلاف من المشجعين، مع توفير بنية تحتية هائلة لمواقف السيارات والقرى الجماهيرية. على الجانب الآخر، يطرح موقع “البرنابيو” في قلب العاصمة مدريد تحديات لوجستية كبرى تتعلق بالاكتظاظ وصعوبة إدارة الحشود الضخمة.

هوية بصرية استثنائية: من الناحية المعمارية، يقدم المغرب تحفة بصرية فريدة بتصميم مستوحى من تجمع “الموسم” والخيمة المغربية الأصيلة، مما يضفي لمسة ثقافية مبهرة، مقارنة بالتصميم الكلاسيكي والمغلق لملعب العاصمة الإسبانية.

الفيفا كمنظومة استثمارية تبحث دائماً عن العوائد المالية القياسية من التذاكر وحقوق الضيافة.

استضافة النهائي في ملعب يتسع لـ 115 ألف متفرج، مع مساحات لوجستية أرحب، سيمثل سابقة ربحية للفيفا تتفوق بأشواط على ما يمكن أن يقدمه “البرنابيو”. إذن، اختيار المغرب لا يحتاج إلى “ابتزاز”، بل هو الاختيار الاقتصادي والتقني الأكثر منطقية.

– الزلزال الجيوسياسي: نهاية الوصاية الأوروبية

السبب الأعمق وراء هذه الحملة الإعلامية يتجاوز حدود الملاعب ليصل إلى أروقة السياسة الكروية.

تاريخياً، كانت الهيمنة على قرارات كرة القدم العالمية حكراً على أوروبا (ممثلة في اليويفا). لكن المشهد تغير جذرياً.

بفضل رؤية ملكية استراتيجية استهدفت تعميق الجذور الإفريقية للمملكة، ودبلوماسية رياضية هادئة وفعالة يقودها فوزي لقجع، تحول المغرب إلى “صانع ملوك” حقيقي داخل الكاف (CAF) والفيفا.

1- الكتلة التصويتية الإفريقية: إفريقيا تملك 54 صوتاً في الفيفا، وهي أكبر كتلة ناخبة. المغرب اليوم يُعتبر المظلة والداعم الرئيسي لتطوير الكرة الإفريقية (شراكات، استضافة منتخبات، تكوين).

تقارب إنفانتينو مع المغرب هو في الواقع تقارب مع القارة بأكملها، وهو تحالف ضروري لرئيس الفيفا لمواجهة المعارضة الشرسة التي يلقاها من أوروبا ورئيس “اليويفا” ألكسندر تشيفرين.

2- المغرب كقوة ناعمة : لم تعد دول الجنوب مجرد “كومبارس” يكتفي بالمشاركة. إصرار المغرب على تنظيم مونديال 2030، واحتضانه المرتقب لكونغرس الفيفا في الرباط عام 2027، يؤكد انتقال مركز الثقل الكروي نحو المحور الإفريقي-العربي. هذا الصعود المستقل والمؤثر يزعج الأوساط التي لم تستوعب بعد استقلالية وقوة القرار المغربي.

– ازدواجية المعايير الكلاسيكية

ما يثير السخرية في التناول الإعلامي الفرنسي هو المصطلحات المستخدمة. في الدبلوماسية الرياضية الغربية، يُسمى حشد الدعم والتفاوض على استضافة البطولات “لوبي” أو “تحالفات استراتيجية” مشروعة. أما عندما تقوم دولة إفريقية أو عربية بممارسة نفس اللعبة بأدوات احترافية، يتحول الأمر في قواميسهم إلى “ابتزاز” و”صفقات سرية”.

هذه الازدواجية لم تعد تنطلي على أحد. المغرب يدير معركته الرياضية بشفافية، ويبني تحالفاته وفق مصالحه العليا، تماماً كما تفعل القوى العظمى.

– خبراء يحللون “عقدة الوصاية”

السبب الأعمق وراء هذه الحملة الإعلامية يتجاوز حدود الملاعب ليصل إلى أروقة السياسة الكروية. تاريخياً، كانت الهيمنة على قرارات كرة القدم العالمية حكراً على أوروبا (ممثلة في اليويفا). لكن المشهد تغير جذرياً.

يرى باحثون أوروبيون في “الدبلوماسية الرياضية” أن الهجوم الإعلامي الفرنسي يعكس في جوهره حالة من “القلق الجيوسياسي العميق”. ويُفسر بعض المتخصصين في العلاقات الدولية الرياضية هذا التصعيد بأنه رد فعل طبيعي من الأوساط المقربة من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، التي تشعر بفقدان سيطرتها التاريخية على مركز القرار داخل الفيفا لصالح المحور الإفريقي-العربي.

هؤلاء الخبراء يؤكدون في قراءاتهم المتعددة أن إفريقيا أصبحت اليوم الكتلة الناخبة الأقوى بـ 54 صوتاً، وأن المغرب بقيادة رئيس جامعته فوزي لقجع، أصبح المظلة والداعم الرئيسي لهذه الكتلة. بالتالي، فإن تقارب إنفانتينو مع المحور المغربي هو استراتيجية حتمية لأي رئيس للفيفا يبحث عن التوازن، وليس “ابتزازاً” كما تروج له بعض المنابر التي لم تستوعب بعد استقلالية القرار الإفريقي.

– اللوبي الإعلامي وازدواجية المعايير

وفي قراءة لسياق التوقيت، يعتبر مراقبون متخصصون في تتبع الإعلام الرياضي الغربي أن خروج هذه التقارير في التوقيت الحالي ليس بريئاً. ويُصنفون هذا التحرك ضمن استراتيجيات “اللوبي الكلاسيكي”، حيث تُستعمل الصحافة الأوروبية كورقة ضغط استباقية لإحراج إنفانتينو والمغرب معاً، ومحاولة التأثير سلبياً على قرار التصويت لاختيار ملعب النهائي قبل أشهر من مؤتمر الفيفا المنتظر في الرباط عام 2027.

ختاما، يجب أن نتعامل مع هذه الزوابع الإعلامية كدليل قاطع على قوة الموقف المغربي. النجاح يستقطب الخصوم، ومنافَسة قوى كروية تقليدية كإسبانيا، بملف قوي وبنية تحتية عملاقة مثل ملعب الحسن الثاني، لا يمكن أن يمر دون محاولات للتشويش. المعركة الحقيقية لا تدور في صفحات الجرائد الفرنسية، بل على أرض الواقع؛ حيث تُبنى الملاعب، وتُعبد الطرق، وتستعد المملكة لكتابة فصل جديد في تاريخها، سواء أطلقت صافرة النهاية من الدار البيضاء أو مدريد.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *