عَدَسَاتٌ مُصَوَّبَةٌ نَحْوَ “سَبْتَةَ” وَتَجَاهُلٌ لِفَوَاجِعِ الدَّاخِلِ.. الْمُفَارَقَةُ الْقَاتِلَةُ لِلسِّيَاسَةِ الْجَزَائِرِيَّةِ: 17 شَابًّا مِنْ أَبْنَاءِ الْجَزَائِرِ ابْتَلَعَهُمُ الْبَحْرُ بَعْدَ أَنْ تَاهَ قَارِبُهُمُ الصَّغِيرُ لِمُدَّةِ 15 يَوْمًا مُتَوَاصِلَةً

عَدَسَاتٌ مُصَوَّبَةٌ نَحْوَ “سَبْتَةَ” وَتَجَاهُلٌ لِفَوَاجِعِ الدَّاخِلِ.. الْمُفَارَقَةُ الْقَاتِلَةُ لِلسِّيَاسَةِ الْجَزَائِرِيَّةِ: 17 شَابًّا مِنْ أَبْنَاءِ الْجَزَائِرِ ابْتَلَعَهُمُ الْبَحْرُ بَعْدَ أَنْ تَاهَ قَارِبُهُمُ الصَّغِيرُ لِمُدَّةِ 15 يَوْمًا مُتَوَاصِلَةً

عبدالقادر كتـــرة

خيّم صمت ثقيل ومأتم مفتوح على إحدى البلدات الصغيرة بضواحي العاصمة الجزائرية، بعد أن حملت أمواج البحر الأبيض المتوسط خبراً يكسر القلوب: 17 شاباً من أبناء البلدة ابتلعهم البحر بعد أن تاه قاربهم الصغير لمدة 15 يوماً متواصلة.

الناجيان الوحيدان اللذان انتشلتهما فرق الإنقاذ قرب سواحل مايوركا الإسبانية فجراً، رويا تفاصيل كابوس مرعب؛ رفاقهم فارقوا الحياة واحداً تلو الآخر جراء العطش والجوع، لتُلقى جثامينهم في عرض البحر.

هذه الفاجعة ليست حبكة لفيلم درامي، بل هي حلقة جديدة في مسلسل طويل من النزيف البشري الذي يضرب عمق المجتمع الجزائري.

– لماذا يهرب الشباب من “بلد الثروات”؟

لا يمكن قراءة هذه المآسي المتكررة بمعزل عن السياق الاقتصادي والسياسي الداخلي. فالمفارقة الكبرى تكمن في أن هؤلاء الشباب يفرون من بلد يصنف ضمن أغنى دول المنطقة بموارده النفطية والغازية. إلا أن عائدات هذه الثروات لم تنعكس على واقع الشارع، حيث يجد جيل كامل نفسه محاصراً بين فكي البطالة المقنعة وانسداد الأفق.

لم يعد ركوب قوارب الموت المتهالكة “مغامرة طائشة”، بل تحول إلى ما يشبه “التصويت بالأقدام”؛ رسالة احتجاج يائسة يوجهها الشباب لسلطة عجزت عن توفير الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة.

لقد وصل اليأس بالبعض إلى قناعة مرعبة: خطر الموت غرقاً في المتوسط بات يتساوى مع “الموت البطيء” على اليابسة.

أرقام صادمة تتحدث بصمت بعيداً عن العاطفة، تكشف لغة الأرقام حجم الكارثة التي باتت تشهدها السواحل.

تشير التقارير الحقوقية الإسبانية والدولية إلى تصاعد غير مسبوق في وتيرة الهجرة عبر المسار الجزائري نحو جزر البليار الإسبانية.

– أكثر من 500 مفقود: في الأشهر الأولى من العام الحالي فقط، أودى هذا المسار بحياة أكثر من 500 شخص، في زيادة تجاوزت 54% عن الفترات السابقة.

– آلاف الواصلين: استقبلت جزر البليار وحدها أكثر من 11 ألف مهاجر جزائري في فترة قياسية، مستعينين بمئات القوارب المطاطية والتقليدية. هذه التدفقات الاستثنائية ليست سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد، وتؤكد أن شبكات التهريب تجد في بيئة اليأس الداخلي سوقاً رائجة ومستمرة.

سبتة والداخل: ازدواجية الخطاب الرسمي في الوقت الذي تتوالى فيه هذه الفواجع، يبرز تناقض صارخ في تعاطي الآلة الإعلامية والسياسية الرسمية في الجزائر مع ملف الهجرة.

فمن جهة، تُسخر السلطات ترسانتها الدبلوماسية والإعلامية لتسليط الضوء المكثف على أزمات الهجرة على حدود دول الجوار، وتحديداً محاولات الاقتحام المتكررة لمدينة سبتة المحتلة، محاولةً استغلال ذلك جيوسياسياً لتشويه صورة خصومها الإقليميين.

ومن جهة أخرى، تُقابل فواجع غرق العشرات من أبناء الجزائر بتعتيم إعلامي شبه تام وتجاهل رسمي مريب. هذا السلوك يعكس سياسة “الهروب إلى الأمام” وافتعال الأزمات الخارجية لتشتيت انتباه الرأي العام الداخلي عن الفشل التنموي والاقتصادي.

خاتمة: لا يمكن حجب الشمس بغربال التعتيم. إن محاولة النظام الجزائري توظيف ورقة الهجرة للضغط الدبلوماسي أو التنفيس السياسي لن تغير من الواقع شيئاً.

فتجاهل جثامين الشباب التي تبتلعها أمواج المتوسط لن يوقف ظاهرة “الحرقة”، بل سيزيد من منسوب الغضب والاحتقان داخل المجتمع. الحل لا يكمن في توجيه عدسات الكاميرات نحو حدود الآخرين، بل في امتلاك الشجاعة السياسية للنظر في المرآة، ومواجهة الإخفاقات الداخلية، وبناء دولة تستثمر في شبابها بدلاً من دفعهم نحو قوارب الموت. حتى ذلك الحين، سيبقى البحر الأبيض المتوسط الشاهد الأكبر على مأساة جيل بأكمله.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *