بَطَّارِيَّةُ أُورُوبَّا: المَغْرِبُ يُعِيدُ رَسْمَ الخَرِيطَةِ الجِيُوسِيَاسِيَّةِ لِلطَّاقَةِ فِي حَوْضِ المُتَوَسِّطِ، شِرْيَانُ الحَيَاةِ الكَهْرَبَائِيُّ: لِمَاذَا بَاتَتْ أُورُوبَّا فِي حَاجَةٍ مَاسَّةٍ لِشَمْسِ وَرِيَاحِ المَغْرِبِ؟

بَطَّارِيَّةُ أُورُوبَّا: المَغْرِبُ يُعِيدُ رَسْمَ الخَرِيطَةِ الجِيُوسِيَاسِيَّةِ لِلطَّاقَةِ فِي حَوْضِ المُتَوَسِّطِ، شِرْيَانُ الحَيَاةِ الكَهْرَبَائِيُّ: لِمَاذَا بَاتَتْ أُورُوبَّا فِي حَاجَةٍ مَاسَّةٍ لِشَمْسِ وَرِيَاحِ المَغْرِبِ؟

عبدالقادر كتـــرة

الربط الكهربائي بين المغرب وإسبانيا ليس مشروعاً مستحدثاً أو “مجمداً” بالكامل في شقه التشغيلي. يمتلك البلدان بالفعل خطين بحريين لنقل الكهرباء (تم تشغيلهما في 1997 و2006) بقدرة تبادلية تصل إلى حوالي 1400 ميجاوات.

ما كان يشهد تباطؤاً أو “تجميداً” في فترات معينة هو الخط الثالث الذي تم الاتفاق عليه لتوسيع القدرة الاستيعابية، فضلاً عن مشاريع ربط قارية أخرى.

لقد شهدت شبه الجزيرة الأيبيرية (إسبانيا والبرتغال) في الماضي القريب حوادث انخفاض حاد في تردد الشبكة الكهربائية (كما حدث في حادثة شهيرة عام 2021 إثر عطل في خط فرنسي).

في مثل هذه الأزمات، تلعب الشبكة المغربية المتزامنة دوراً حاسماً في استقرار المنظومة. عند حدوث أعطال مفاجئة أو خلال أوقات ذروة الاستهلاك التي تتزامن مع موجات الحر الإقليمية وما يرافقها من تراجع في أداء التوربينات، يوفر الربط مع المغرب مرونة وتكرارية في البنية التحتية تمنع الانهيار الكامل للشبكة الأوروبية.

تاريخياً، كان المغرب مستورداً صافياً للكهرباء من إسبانيا. ولكن مع التوسع الهائل في مشاريع الطاقة المتجددة (الشمسية والريحية) في المملكة، بدأت تسجل فترات وفصول يصبح فيها المغرب مُصدّراً صافياً للكهرباء نحو أوروبا، وهو ما يؤكد تغير المعادلة الطاقية.

يعكس هذا التقرير تحولاً جذرياً في “بارادايم” (نموذج) الطاقة الإقليمي:

1- من التبعية إلى الشراكة الاستراتيجية: لم يعد يُنظر إلى المغرب في أوروبا كجار نامٍ يحتاج إلى الدعم، بل كشريك موثوق يمتلك مفاتيح الأمن الطاقي. قدرة المغرب على التدخل في لحظات الاختناق الطاقي الأوروبي تثبت كفاءة المقاييس المعتمدة في إدارة الشبكة الكهربائية الوطنية.

2- أوروبا في مأزق التحول الطاقي: تعاني القارة العجوز من ضغوط مركبة؛ التخلي التدريجي عن الوقود الأحفوري، وتداعيات انقطاع إمدادات الغاز الشرقي، والتقلبات المناخية التي تؤثر على توليد الطاقة الكهرومائية والنووية. هذا المأزق يجعل الربط مع مصادر طاقة متجددة ومستقرة خارج القارة (شمال إفريقيا) مسألة بقاء جيواقتصادي.

3- تجاوز البعد الثنائي إلى القاري: تسليط الضوء على هذه الحوادث يدفع مستثمري وصناع القرار في أوروبا إلى تسريع مشاريع الربط الضخمة، ليس فقط الخط الثالث مع إسبانيا، بل مشاريع عملاقة مثل مشروع “Xlinks” لربط المغرب ببريطانيا، مما يحول المغرب إلى “بطارية” موثوقة لأوروبا.

إن تكريس دور المغرب كصمام أمان كهربائي لأوروبا يحمل تداعيات جيوسياسية واقتصادية عميقة على المدى المتوسط والبعيد:

– تعزيز الأوراق التفاوضية للمغرب: الاعتماد الأوروبي على الشبكة المغربية يمنح الرباط ورقة ضغط سياسية واقتصادية قوية في مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي، سواء تعلق الأمر بالاتفاقيات التجارية (الزراعة والصيد البحري)، أو بالملفات السياسية والأمنية الحساسة.

– طفرة في الاستثمارات والبنية التحتية: هذه الاعتمادية ستسرع من تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة نحو المغرب لتطوير محطات توليد متجددة جديدة، وتحديث البنية التحتية للشبكة الذكية، وتطوير تكنولوجيا تخزين الطاقة (البطاريات والهيدروجين الأخضر).

– إعادة رسم خرائط النفوذ في شمال إفريقيا والساحل: في الوقت الذي تعاني فيه دول إقليمية أخرى من تحديات في إدارة الموارد وتصدير الطاقة بسبب غياب الاستقرار أو تهالك البنية التحتية، يرسخ المغرب موقعه كبوابة طاقية ولوجستية موثوقة. هذا سيؤثر حتماً على مسارات خطوط الأنابيب المستقبلية (مثل خط أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب) ويجعل المملكة مركز الثقل في أي تكامل اقتصادي يربط إفريقيا بأوروبا.

– تحفيز التكامل الإقليمي (إن توفرت الإرادة السياسية): نجاح نموذج الربط المغربي-الأوروبي قد يسلط الضوء مجدداً على التكلفة الاقتصادية الباهظة لغياب تكامل شبكات الكهرباء المغاربية والإفريقية، مما قد يضغط مستقبلاً لفتح مسارات تعاون إقليمية أوسع تضمن أمناً طاقياً شاملاً للمنطقة ككل.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *