مُتَلَازِمَةُ الْمُؤَامَرَةِ عِنْدَ نِظَامِ الْعَسْكَرِ: عِنْدَمَا يُصْبِحُ الْإِخْفَاقُ التَّنْمَوِيُّ فِي الْجَزَائِرِ مُبَرِّرًا لِإِعْلَانِ الْحَرْبِ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ… أَحْدَثُ مَسْرَحِيَّاتِ نِظَامٍ يَخْتَنِقُ ويَحْتَرِقُ
عبدالقادر كتـــرة
نشرت جريدة “الخبر” الجزائرية خبر هجوم النظام العسكري الجزائري على دولة الإمارات العربية المتحدة بعد عدة محاولات من التحرشات واجهتها الإمارات بالتجاهل (والذي يعكس بالفعل التصعيد في التوجه الرسمي للإعلام الجزائري في صيف 2026)، في ظرف تواجه فيه الجزائر سلسة من المشاكل والانتكاسات والصدمات على جميع المستويات الداخلية والخارجية…
حالة نفسية متأزمة صعبة تلامس وتراً حساساً، وتسلط الضوء على تقاطع شديد التعقيد بين الفشل في إدارة الشأن الداخلي والهروب نحو افتعال أزمات في السياسة الخارجية.
فالأزمات المتتالية من عطش، وحرائق متكررة، وغلاء، ترهق كاهل المواطن الذي يرى بلاده غنية بالموارد لكنها تفتقر للإدارة الفعالة.
1. لماذا الإمارات تحديداً؟
رغم أن تصدير الأزمات للداخل هو تكتيك سياسي معتاد، إلا أن الصدام الجزائري-الإماراتي يحمل أيضاً أبعاداً إقليمية حقيقية تتوجس منها السلطات في الجزائر:
– محور التحالفات الإقليمية: تنظر الجزائر إلى التقارب الاستراتيجي الوثيق بين الإمارات والمغرب (خاصة في الشق العسكري والتنسيق مع إسرائيل) على أنه تطويق وتهديد مباشر لأمنها القومي.
– صراع النفوذ في الساحل الإفريقي: تتهم الجزائر أبوظبي بتمويل أطراف وأنظمة عسكرية في مالي والنيجر والسودان، بهدف ضرب النفوذ التاريخي للجزائر في عمقها الإفريقي ومحاصرتها جيوسياسياً.
– حرب الوكلاء الإعلامية: تتويج لحرب إعلامية مستعرة، حيث تعتقد دوائر القرار في الجزائر أن الإمارات تقف خلف حملات تشويه رقمية منظمة لضرب استقرار البلاد.
2. “عقيدة العدو الخارجي” والهروب إلى الأمام
هنا يتطابق الواقع تماماً مع تحليلك. الأنظمة التي تواجه احتقاناً اجتماعياً واقتصادياً غالباً ما تلجأ إلى تكتيك “صناعة العدو الخارجي” أو “الشماعة” كآلية للبقاء:
– التغطية على الإخفاقات التنموية: في ظل نقص المواد الأساسية (السميد، الزيت، الحليب)، وأزمة المياه الخانقة، وتهالك البنية التحتية، فضلاً عن غياب طائرات الإطفاء الكافية لمواجهة حرائق الصيف، يصبح توجيه الرأي العام نحو “مؤامرة خارجية” أسهل بكثير من تقديم كشف حساب اقتصادي شفاف.
– شراء الولاء الداخلي وإسكات المعارضة: من خلال تصوير البلاد على أنها “مستهدفة بخطر داهم”، تُحاول السلطة استدعاء الروح الوطنية لتوحيد الشارع خلفها، وتبرير أي تضييق أمني أو سياسي بحجة “حماية الأمن القومي”.
3. التداعيات على مستقبل الجزائر
إذا استمرت الجزائر في تبني “القطيعة الدبلوماسية” كرد فعل انفعالي وأول على كل اختلاف أو أزمة، فإن التداعيات ستكون مكلفة للغاية:
– العزلة الدبلوماسية القاتلة: قائمة الدول التي توترت معها العلاقات أو قُطعت في تزايد مستمر (المغرب، مالي، إسبانيا، فرنسا، والآن التلويح بالإمارات). هذه السياسة الهجومية تحول الجزائر تدريجياً إلى “جزيرة معزولة” سياسياً، مما يضعف ثقلها في المنظمات الإقليمية كالاتحاد الإفريقي.
– خنق الاقتصاد والاستثمار: قطع العلاقات مع دولة تعتبر مركزاً مالياً ولوجستياً عالمياً كالإمارات سيغلق أبواباً للاستثمار المشترك، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد الجزائري (المثقل بتراجع قيمة الدينار) بشدة إلى التنويع بعيداً عن الارتهان المطلق لأسعار المحروقات.
– اتساع الفجوة بين السلطة والشعب: مع مرور الوقت، يفقد خطاب “المؤامرات” بريقه. المواطن الذي يقف في طوابير للحصول على السلع الأساسية، أو يعاني من العطش في عز الصيف، لن تكفيه الخطابات الرنانة لسد جوعه، وسيتزايد وعيه بأن هذه المعارك الدبلوماسية لا تخدم يومياته البائسة.
السياسة الخارجية المتشنجة قد تشتري بعض الوقت للأنظمة لتنفيس الاحتقان الشعبي، لكنها قطعاً لا تبني مستشفيات، ولا توفر فرص عمل، ولا تُحلي مياه البحر.

