أَطْفَالُ الْجَزَائِرِ الْأَيْتَامُ يَقْضُونَ نَحْبَهُمْ فِي حَرِيقِ جَحِيمِ “دَارِ الْأَيْتَامِ” الْمَلْعُونَةِ، فِي وَقْتٍ يَقْضِي أَطْفَالُ الْبُولِيسَارِيُو عُطْلَتَهُمْ فِي نَعِيمِ الشَّوَاطِئِ الْمَبْرُوكَةِ بِأَمْوَالِ خَزِينَةِ دَوْلَتِهِمُ الْعَسْكَرِيَّةِ
عبدالقادر كتـــرة
الصورة المرفقة تسلط الضوء على إشكالية عميقة في الاقتصاد السياسي تتعلق بتدبير الموارد وتأثير أولويات السياسة الخارجية على الواقع الاجتماعي الداخلي وفساد النظام العسكري الجزائري وعقيدته العدوانية ولو على حساب حياة أطفال أيتام محرومين من شريحة من الشعب الجزائري المغلوبة على أمرها. .
الحريق المأساوي الذي نشب في دار للطفولة المسعفة بالجزائر، والذي أسفر عن وفاة 11 يتيماً وإصابة 19 آخرين، يمثل نقطة تركيز رئيسية في الخطاب الشعبي المنتقد.
هذه الحادثة لا تُقرأ كقدر محتوم، بل كقصور لسياسة جنرالات النظام العسكري الجزائري بثكنة بنعكنون وكهنة معبد المرادية، في توفير البنية التحتية لحماية الفئات الهشة، وضعف في استجابة أجهزة الوقاية المدنية وإدارة الأزمات المحلية…
ومن المفارقات المأساوية والمؤسفة، رغم توفر الجزائر على ثروات هائلة تضاهي بل تتجاوز ثروات بعض دول الخليج، الفرق هو أن النظام العسكري الجزائري اتخذ من تمويل وتسليح واحتضان ميليشيات البوليساريو والجماعات الاسلامية المتطرفة والارهابية عقيدة له، لزعزعة أمن واستقرار المنطقة.
ففي الوقت نفسه، يقضي أطفال من مخيمات تندوف عطلهم الصيفية في دول أوروبية، خاصة في إسبانيا وجزر الكناري، ممولة بأموال خزيتة الدولة الجزائرية، كان من المفروض أن تخصص للأطفال ضحايا الزمن الغادر والظروف القاسية والحظ السيئ والنهاية المأساوية في جحيم التهمتهم ألسنة نيرانه، كان من الواجب والمنطق أن توفر لهم ابسط شروط الحياة الكريمة والشريفة والمرضية.
ورغم أن جزءاً كبيراً من التمويل المباشر لهذه الرحلات الخاصة بأطفال البوليساريو المحظوظين والسعداء، يأتي من عائلات مضيفة وجمعيات مجتمع مدني أجنبية، إلا أن الدعم اللوجستي، التسهيلات الدبلوماسية، والغطاء السياسي الذي توفره الدولة الجزائرية يعكس تسخيراً لموارد الدولة ومؤسساتها لخدمة هذا الملف.
ففي الوقت الذي يتم فيه تسخير الجهود الدبلوماسية والموارد المالية (التي تعتمد بشكل شبه كلي على عائدات المحروقات) لدعم وتمويل وتسليح جبهة البوليساريو لخدمة أجندة جيوسياسية، تظهر فجوات عميقة في تمويل البنيات التحتية الداخلية، برامج الرعاية الاجتماعية، وتطوير أجهزة الطوارئ.
هذه المقارنة تخاطب الوعي المجتمعي الجزائري بشكل مباشر، متسائلة عن الجدوى من تبني مشاريع انفصالية إقليمية خارج الحدود، في حين أن الفئات الأكثر ضعفاً داخل الحدود (كالأيتام) تدفع ثمن ترهل المؤسسات الاجتماعية.
من جهة، إن استمرار توجيه مقدرات الدولة نحو قضايا خارجية لا تعود بالنفع المباشر على المواطن الجزائري، تزامناً مع تكرار الكوارث الداخلية (حرائق الغابات، حوادث المؤسسات الاجتماعية، أزمات التموين)، يعمق الهوة بين السلطة والمجتمع.
هذا قد يمهد لتصاعد موجات جديدة من الاحتقان الاجتماعي والمطالبة بإعادة هيكلة أولويات الإنفاق العام.
من جهة ثانية، الدولة التي تعاني من هشاشة داخلية وضعف في إدارة أزماتها المحلية تجد صعوبة متزايدة في الحفاظ على نفوذها الخارجي وموثوقيتها.
تخصيص الموارد للحفاظ على التوترات الإقليمية والحدود المغلقة يحد من فرص الاندماج الاقتصادي القاري (مثل شبكات الموانئ الإقليمية أو خطوط الأنابيب العابرة للقارات)، مما يعزل الاقتصاد عن محيطه الجيوسياسي الطبيعي.
ختاما، الاعتماد على العوائد النفطية والغازية لشراء المواقف أو تمويل الميليشيات هو سياسة غير مستدامة.
مع التحولات العالمية في سوق الطاقة، سيصبح الحفاظ على هذا المستوى من الإنفاق الخارجي مستحيلاً دون التضحية بشكل أكبر بالاستقرار الداخلي.

