جَزَائِرِيٌّ يَتَسَاءَلُ: “هَلْ دَمَّرَ هَوَسُنَا بِالْمَغْرِبِ قِيمَتَنَا أَمَامَ الْعَالَمِ؟ دَوْلَةٌ تَفْقِدُ بَوْصَلَتَهَا وَتُصْبِحُ مُسْتَعِدَّةً لِلتَّمَلُّقِ لِأَيِّ بَلَدٍ فِي الْعَالَمِ، فَقَطْ لِأَنَّ لَدَيْهَا خِلَافًا مَعَ الْمَغْرِبِ!”
عبدالقادر كتـــرة
“مؤسف جداً كيف علمتنا العداوة غير المبررة تجاه المغرب سلوكيات غريبة ومقززة. تخيل أن تفقد دولة بوصلتها وتصبح مستعدة للتملق لأي بلد في العالم، فقط لأن ذلك البلد لديه خلاف مع المغرب!
هذه الممارسات نراها بوضوح في سلوك السلطة؛ فتجد تبون يتملق للسعودية ضدا في الإمارات، ومرة يتملق لمصر ضدا في المغرب، ومرة يتملق لفرنسا ضدا في المغرب. سياسة خارجية عشوائية تحركها العقد والنكاية (زكارة فالمروك)، بدلاً من المصالح الاستراتيجية الواضحة.
العدوى انتقلت للأسف إلى منصات التواصل الاجتماعي، وأصبح المتملق الرقمي مستعداً لإهانة نفسه والتطبيل للبراني من أجل “الكيد” للمغرب. انعدام تام للشخصية، وانشغال مبالغ فيه بالجار على حساب مشاكلنا الداخلية واقتصادنا المنهار.
التملق لكل من هب ودب لمجرد إرضاء عقدة النقص والنكاية هو قمة الإفلاس. الدول المحترمة تصنع قيمتها بالعمل، بالصناعة، بالدبلوماسية القوية والمواقف الثابتة، وليس بالتبندير الافتراضي.
قيمتنا كـرجال وأمة تظهر في واش نساو في الواقع وواش ننتجو، ماشي شحال تملقنا للناس زكارة في الجار. كفى هوساً، والتفتوا إلى بناء وطنكم!”
منشور في صفحة فيسبوكية جزائرية يلخص تماما نفسية الجزائري ،اليوم، سواء كان من أفراد الشعب أو مسؤول أو إعلامي أو من أراد أن يتقرب من النظام العسكري الجزائري، وما يعيشه من هوس ومعاناة نفسية وانسلاخ من جزائريته، ناسيا همومه ومعاناته وطوابيره وفقره وعطشه وجوعه، المهم بالنسبة له سب وشتم المغرب والمغاربة لإرضاء نظامه، بل لم تعد له الشجاعة حتى ذكر اسم المغرب كما في إعلامه….. إلى حد تغيير الحقائق التاريخية والجغرافية والثقافية والتراثية.
يعكس هذا المنشور نقداً عميقاً لظاهرة سياسية واجتماعية ونفسية معقدة، ترتبط بتأثير الصراعات الجيوسياسية على الوعي الجمعي وسلوكيات الدول والأفراد.
عندما يتحول الخلاف السياسي بين دولتين جارتين إلى حالة من “الاستقطاب الحاد” أو “الهوس”، فإن ذلك يفرز تداعيات خطيرة تتجاوز الدبلوماسية لتنخر في بنية المجتمع، وطريقة تفكيره، وأولوياته التنموية.
أولا، يسلط المنشور الضوء على عدة آليات نفسية وسياسية تتشكل عندما يُتخذ “الآخر” (الجار في هذه الحالة) كمركز تدور حوله سياسات الدولة واهتمامات الفرد.
تلجأ بعض الأنظمة السياسية (النظام العسكري الجزائري نموذجا) إلى تضخيم الخطر الخارجي أو شيطنة الجار لخلق حالة من الاصطفاف الوطني الوهمي.
هذا التكتيك يهدف أساساً إلى تشتيت الانتباه عن الأزمات الداخلية الحقيقية (كالمشاكل الاقتصادية، الفساد، النهب، ضعف البنية التحتية، والبطالة…).
ثانيا، عندما تصبح السياسة الخارجية مبنية على “النكاية” أو “رد الفعل” ضد الجار، تفقد الدولة بوصلتها الاستراتيجية.
تصبح التحالفات تكتيكية ومبنية على أساس “عدو عدوي صديقي” حتى لو كان ذلك على حساب المصالح الوطنية العليا أو الكرامة الوطنية (ما وُصف بالتملق).
ثالثا، على المستوى الفردي، عندما يكرس الفرد طاقته لمهاجمة الآخر بدلاً من نقد واقعه أو تطوير ذاته، فإنه يدخل في حالة من “الاستلاب”. يشعر بنشوة انتصار وهمية في العالم الافتراضي، بينما يظل واقعه المعيشي متردياً.
استمرار هذا النهج يخلق إرثاً ثقيلاً يهدد مستقبل الأجيال القادمة وطريقة تفكيرها:
– تشوه التنشئة الاجتماعية: عندما تتربى الأجيال الناشئة في بيئة إعلامية وتعليمية تركز على “الكراهية” أو “تخوين” الجار، فإنها تكتسب عقلية دفاعية وعدائية، حيث يُرى نجاح الآخر كأنه خسارة للذات. هذا يقتل روح المبادرة والتفكير النقدي البناء.
– هدر الطاقات واستنزاف الموارد: المجتمعات التي تضع “الهوس بالخارج” في مقدمة أولوياتها تستنزف طاقاتها البشرية والمالية والإعلامية في معارك وهمية (تبندير افتراضي، كما جاء في النص)، بدلاً من توجيه هذه الطاقات نحو البحث العلمي، الابتكار، والإنتاج الفعلي الذي يصنع القيمة الحقيقية للدول.
– أزمة الهوية والذاكرة: محاولة طمس الحقائق التاريخية أو الجغرافية لتناسب السردية العدائية تؤدي إلى خلق “ذاكرة مشوهة”. الأجيال التي تُبنى هويتها على نفي الآخر بدلاً من إثبات الذات وتاريخها الحقيقي، ستعاني من هشاشة ثقافية واضطراب في الهوية عند مواجهة العالم الخارجي المنفتح.
من جهة أخرى، إذا استمرت هذه السردية في الهيمنة، فإن تفاعل هذا المجتمع مع العالم الخارجي سيتسم بما يلي:
– صعوبة الاندماج في الركب العالمي: العالم اليوم يقدر الدول بناءً على مؤشراتها التنموية، قوتها الاقتصادية، وابتكاراتها التكنولوجية. الأجيال التي تظل حبيسة صراعات الماضي ستجد نفسها معزولة عن لغة العصر المتمثلة في البراغماتية والمصالح المشتركة.
– فقدان المصداقية والقوة الناعمة : الدول المحترمة تبني قوتها الناعمة من خلال مبادئ ثابتة، ثقافة جذابة، ودبلوماسية موثوقة. عندما يرى العالم أن مواقف دولة ما تتغير فقط نكاية في دولة أخرى، تفقد تلك الدولة هيبتها ومصداقيتها الدولية.
– الاصطدام بالواقع : سيأتي وقت تصطدم فيه الأجيال المشبعة بهذه السردية بالواقع خارج حدودها، حيث تكتشف أن الخطابات الحماسية لا تبني اقتصادات، وأن العالم لا يكترث بالصراعات الإقليمية بقدر اكتراثه بما يمكن أن تقدمه الدولة للسوق العالمية.
خلاصة القول، البناء الحقيقي لأي أمة يبدأ من الداخل. الاعتراف بالمشاكل الداخلية، وتوجيه الطاقات نحو التعليم، الاقتصاد، والتنمية هو الطريق الوحيد لفرض الاحترام على الساحة الدولية. الأوطان لا تُبنى بـ “النكاية”، بل بالعمل المؤسساتي والتفكير العقلاني الرزين.

