إعلام “القمامة” العسكري الجزائري يوظف الكاميرا لا لنقل الواقع، بل لصناعة واقع افتراضي يخدم أجندة سياسية أو نفسية محددة، لاستغباء الشعب واقتياده إلى الحظيرة

إعلام “القمامة” العسكري الجزائري يوظف الكاميرا لا لنقل الواقع، بل لصناعة واقع افتراضي يخدم أجندة سياسية أو نفسية محددة، لاستغباء الشعب واقتياده إلى الحظيرة

عبدالقادر كتـــرة

ما التقطته عدسة الكامير الجزائرية في هاتين الصورتين يعكس استراتيجية إعلامية واضحة تُعرف في علم الاتصال بـ “التأطير البصري الانتقائي”، حيث يتم توظيف الكاميرا لا لنقل الواقع، بل لصناعة واقع افتراضي يخدم أجندة سياسية أو نفسية محددة.

توثق الصورة الأولى ظهور مراسل قناة “النهار” الجزائرية، بلال هرنون، خلال تغطيته لفعاليات كأس أمم إفريقيا (الكان) التي استضافها المغرب في عام 2025.

وقد أثارت هذه التغطية جدلاً واسعاً؛ حيث لاحظ المتابعون تجنب المراسل الظهور في قلب العاصمة الرباط أو أمام معالمها العمرانية والسياحية، مفضلاً التصوير ليلاً من نقاط معزولة وخالية من الحيوية.

واعتبر المنتقدون أن هذا الأسلوب يفتقر للمهنية ويعكس صورة مجتزأة تخدم خطاً تحريرياً موجهاً يهدف إلى التقليل من شأن الحدث والدولة المضيفة.

أما الصورة الثانية فتظهر المعلق والمراسل الرياضي للتلفزيون العمومي الجزائري، بلال بناري، في بث مباشر من خليج “سان فرانسيسكو” بولاية كاليفورنيا الأمريكية، تزامناً مع فعاليات كأس العالم 2026 الجارية حالياً. ورغم تواجده في واحدة من أكثر مدن العالم حيوية وتطوراً، تم اختيار زاوية تصوير بخلفية باهتة لتلة ترابية، مع تهميش واضح للمعالم الحضارية التي تظهر في أقصى الخلفية بشكل ضبابي (مثل جسر البوابة الذهبية).

إن تعمد اختيار الأماكن المعزولة والمظلمة والمشاهد البئيسة عند النقل من خارج البلاد ليس صدفة عابرة أو خطأً تقنياً، بل هو قرار تحريري يعكس عدة جوانب.

أولا، يحاول النظام عبر أذرعه الإعلامية إيصال رسالة مبطنة للمواطن الجزائري مفادها أن “الخارج ليس أفضل حالاً”.

من خلال تسليط الضوء على الزوايا الميتة في الدول المتقدمة أو الدول المجاورة المنافسة، يتم السعي لامتصاص الغضب الداخلي تجاه نقص التنمية أو ضعف البنية التحتية، وإيهام المشاهد بأن “النور والنوار” لا يوجد إلا في الداخل.

ثانيا، يتجنب الإعلام الرسمي إظهار التطور العمراني أو البنية التحتية القوية (سواء في المغرب أو في أمريكا) خوفاً من التساؤلات البديهية التي ستتبادر إلى ذهن المواطن الجزائري: “إذا كانت لديهم هذه البنية التحتية والملاعب ووسائل النقل المتطورة، فلماذا نفتقر نحن إليها رغم المداخيل النفطية الضخمة؟”.

ثالثا، تحويل الأحداث الرياضية البحتة (مثل كأس أمم إفريقيا أو كأس العالم) إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية.

المراسل هنا لا يتصرف كصحفي رياضي ينقل بهجة الحدث، بل كـ “جندي إعلامي” مقيد بخط تحريري يفرض عليه التعتيم على نجاحات الآخرين.

إن الاستمرار في سياسة الإنكار وإخفاء شمس التطور الغربي أو الإقليمي بغربال “الزوايا المظلمة” له تداعيات خطيرة على الداخل الجزائري:

– انهيار جدار الثقة وفقدان المصداقية: نحن نعيش في عصر الهواتف الذكية والإنترنت. الشاب الجزائري اليوم يشاهد فيديوهات المشجعين وصناع المحتوى الذين يوثقون شوارع الرباط، سان فرانسيسكو، نيويورك، والدوحة بجودة عالية ومن كل الزوايا. التناقض الصارخ بين ما يراه الشاب في “إنستغرام” و”تيك توك” وبين ما يعرضه التلفزيون الرسمي أو القنوات الموالية، يخلق هوة انعدام ثقة لا يمكن جسرها تجاه مؤسسات الدولة ككل.

– تغذية الإحباط وتعميق أزمة “الحرڭة”: عندما يشعر الشباب أن الإعلام يستغبي عقولهم ويحاول حجب الحقيقة عنهم، يتولد لديهم شعور بالاغتراب والإحباط. هذا الانفصام بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش يدفع بالكثيرين للبحث عن “النور” الحقيقي في الخارج، مما يفاقم من نزيف الأدمغة وهجرة الشباب.

– العزلة التنموية (التقوقع): الأمم تتطور عندما تعترف بتفوق الآخرين وتتخذهم كمعيار للتحدي والتجاوز. سياسة إخفاء تطور الآخرين تخلق حالة من الرضا الوهمي والتقاعس لدى المسؤولين، مما يبقي مسار التنمية في البلاد بطيئاً ومعزولاً عن المعايير العالمية.

– الإساءة لصورة الصحافة الجزائرية دولياً: هذه الممارسات أصبحت مكشوفة وتُعرض القنوات الجزائرية لانتقادات وسخرية واسعة على منصات التواصل الاجتماعي. هذا الأمر يضر بسمعة الكفاءات الإعلامية الجزائرية التي تجد نفسها مضطرة للعمل في بيئة تحطم قواعد المهنية والموضوعية.

خلاصة القول، هذه المقاربة الإعلامية تعيش أواخر أيامها؛ فالأساليب التي كانت تنجح في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي قبل ثورة الاتصالات، أصبحت اليوم مثاراً للشفقة وللتندر الفكاهي.

استمرار النظام في إنكار الواقع لا يغير الواقع، بل يعزل النظام نفسه عن شعبه وعن العالم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *