إنجاز باهر حققه المغرب يتمثل في خلق بذور مقاومة للحرارة الشديدة والجفاف..والذي يعزز من قوته الناعمة ومكانته كفاعل أساسي في التعاون “جنوب-جنوب” والأمن الغذائي القاري

إنجاز باهر حققه المغرب يتمثل في خلق بذور مقاومة للحرارة الشديدة والجفاف..والذي يعزز من قوته الناعمة ومكانته كفاعل أساسي في التعاون “جنوب-جنوب” والأمن الغذائي القاري

عبدالقادر كتـــرة

يُعد هذا الإنجاز خطوة استراتيجية بالغة الأهمية للمغرب، ليس فقط على المستوى الزراعي، بل في صميم “الأمن القومي الغذائي”. في ظل توالي سنوات الجفاف الحاد (للعام السادس على التوالي) وتأثيرات التغير المناخي، لم يعد الاعتماد على الأنماط الزراعية التقليدية مجدياً.

النجاح الذي حققه المغرب جاء ثمرة تعاون طويل بين المعهد الوطني للبحث الزراعي والمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا – ICARDA) ، والذي يتخذ من الرباط مقراً لستة مختبرات وبنكاً لجينات البذور.

تمت زراعة مساحة 120 هكتاراً في قرية “مرشوش” (بإقليم الخميسات)، تحت إشراف خبراء دوليين ومغاربة.

في الوقت الذي يبلغ فيه متوسط إنتاج الهكتار الواحد من القمح العادي في المغرب بين (1 إلى 2 طن)، تمكن هذا الصنف الجديد من تحقيق إنتاجية بلغت 4 أطنان في الهكتار.

الأهم من حجم الإنتاج هو أن هذه السنابل نضجت وازدهرت بكمية أمطار لم تتجاوز 200 مليمتر فقط، أي نصف المعدل الطبيعي للأمطار في الظروف العادية، مع الاعتماد على الري التكميلي الاستثنائي والمحدود جداً.

الانتقال من “رد الفعل” إلى “التكيف الاستباقي” إذ بدأ المغرب التخلي تدريجياً عن سياسة انتظار السماء، متجهاً نحو “الزراعة الذكية مناخياً”.

استنباط هذه السلالات تم عبر “الانتخاب الطبيعي والجيني” (وليس تعديلاً وراثياً ضاراً)، حيث تم تعريض سلالات مختلفة لظروف قاسية لانتقاء الأكثر قدرة على الصمود.

هذا الإنجاز الباهر يهدف إلى التخفيف من العبء المالي، بعد أن تراجعت المساحات المزروعة بالحبوب في المغرب مؤخراً من 3،7 مليون هكتار إلى 2.5 مليون هكتار بسبب شح المياه، مما كلف ميزانية الدولة فاتورة باهظة لاستيراد القمح بالعملة الصعبة (توقعات تراجع المحصول المحلي إلى 25 مليون قنطار فقط في بعض المواسم السابقة مقارنة بـ 55 مليوناً). هذا الابتكار سيقلص فجوة الاستيراد بشكل كبير مستقبلاً.

رغم روعة الإنجاز العلمي، إلا أن نجاحه الفعلي على أرض الواقع يبقى مشروطاً بعدة عوامل:

– تعميم البذور: التحدي الأكبر هو تحويل هذا الابتكار من “حقول التجارب” (مثل حقل مرشوش) إلى عموم المزارعين، وخاصة الفلاحين الصغار الذين يشكلون عصب الزراعة في المغرب.

– تغيير العادات الزراعية: البذور وحدها لا تكفي لتصنع معجزة؛ فهي تتطلب “حزمة تقنية” مرافقة، مثل: اختيار التوقيت الدقيق للزرع، تحديد كميات البذار، واعتماد تقنية “الزرع المباشر” (بدون حرث) للحفاظ على رطوبة التربة.

– الاحتكار والتكلفة: يجب أن تتدخل الدولة لدعم هذه البذور وجعلها في متناول الفلاح البسيط بأسعار مدعمة، حتى لا تصبح حكراً على كبار المزارعين فقط.

لهذا الانجاز يتمكن المغرب من ضمان السيادة الغذائية، إذ في عالم تتأثر فيه سلاسل الإمداد بالحروب (كالأزمة الأوكرانية-الروسية) والأوبئة، يعزز هذا القمح مناعة المغرب ضد الصدمات الخارجية، ويضمن استقرار أسعار المواد الأساسية (الخبز، الدقيق) في السوق الداخلي.

كما يضمن الاستقرار الاجتماعي حيث يعيش الملايين من المغاربة في القرى وتعتمد مداخيلهم بشكل مباشر على الزراعة البعلية (المعتمدة على المطر). حماية محاصيلهم من الجفاف تعني حماية هذه الأسر من الفقر، والحد من ظاهرة الهجرة القروية نحو المدن الكبرى.

وختاما، سيتمكن المغرب مستقبلاً من تصدير هذه التكنولوجيا الزراعية والبذور المقاومة للجفاف إلى الدول الإفريقية والعربية التي تعاني من نفس التحديات المناخية، مما يعزز من قوته الناعمة ومكانته كفاعل أساسي في التعاون “جنوب-جنوب” والأمن الغذائي القاري.

للتذكير، سبق أن أعلن المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (ICARDA) في 2023، تسجيل 6 أصناف جديدة من بذور القمح الصلب والشعير مقاومة للجفاف والحرارة المرتفعة والأمراض في المغرب، وذلك بما يساهم في تحقيق السيادة الغذائية.

وجرى الإعلان عن هذه الأصناف الجديدة في ندوة صحافية نظمها المركز، في مارس 2023، في مقره بالعاصمة الرباط، وهي ثمرة تعاون وطني ودولي جمع علماء وباحثين من مختلف البلدان لمواجهة تحديات التغيرات المناخية التي تواجهها البلاد.

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *