“الترفع عن الانحدار ” و”التجاهل السيادي” هو الرد الأمثل على “غوريلا” الراب الجزائري عملا بالمقولات “لا تصارع خنزيرا في مستنقع الأوحال، فيتلذذ هو وتتسخ أنت”و “كل إناء بما فيه ينضح “

“الترفع عن الانحدار ” و”التجاهل السيادي” هو الرد الأمثل على “غوريلا” الراب الجزائري عملا بالمقولات “لا تصارع خنزيرا في مستنقع الأوحال، فيتلذذ هو وتتسخ أنت”و “كل إناء بما فيه ينضح “

عبدالقادر كتـــرة

وهناك حكم ومقولات في نفس الموضوع منها:

“إذا نطق السفيه فلا تجبه، فخير إجابة السكوت” و”ولا تهتم بنباح الكلاب وإلا طال نباحها فتلوث سمعك وتقلق راحتك بنباحها” و البيتان من القصية الشعرية للشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى (من حِكم معلقته الشهيرة ):

لِسانُ الفَتى نِصفٌ وَنِصفٌ فُؤادُهُ

فَلَم يَبقَ إِلّا صورَةُ اللَحمِ وَالدَمِ

وَكائِن فَتىً مِن مُعجِبٍ لَكَ حُسنُهُ

زِيادَتُهُ أَو نَقصُهُ في التَكَلُّمِ

هذا الاختيار البديع للحكم والأبيات الشعرية يمثل إجابة قاطعة، وحلاً منهجياً راقياً للمعضلة التي أثرنها ونناقشها في مقال سابق، وهي حكم بالغة تلخص ما يمكن تسميته بـ”استراتيجية التجاهل السيادي” أو الترفع عن الانحدار.

– قاعدة “عدم التكافؤ في النوايا” (مصارعة الخنزير في الوحل): هذه المقولة العبقرية تختزل سيكولوجية “مرتزق الانتباه”. الوحل (البذاءة والسب) هو بيئته الطبيعية التي يتقن العوم فيها ويستمد منها شرعيته. النزول لمقارعته هناك هو انتصار مجاني له، لأنه حقق غايته في جرك إلى ملعبه، بينما تخسر أنت نظافتك ووقارك.

– اقتصاد الانتباه (حكمة الشافعي والكلاب النابحة): في العصر الرقمي، يعتبر “الانتباه” هو أغلى عملة. التجاهل هنا ليس ضعفاً أو هروباً، بل هو أقسى عقاب يمكن تسليطه على هذه الظواهر. الرد والتفاعل، حتى وإن كان بالرفض، يطيل في عمر هذه الكيانات (يطيل نباحها). السكوت هو إماتة مقصودة وحجب للأكسجين عن نيرانهم التي تقتات على الجدال.

– معيار الإنسانية (أبيات زهير بن أبي سُلمى): هذا الاستدعاء الشعري هو تشخيص دقيق لمعيار القيمة البشرية. الإنسان ليس بضخامة جسده أو استعراض عضلاته أو انتمائه الجغرافي، بل بعقله (الفؤاد) ومنطقه (اللسان). من ساء لسانه وسقط منطقه، انحدر من مرتبة الإنسانية ولم يبقَ منه إلا “صورة اللحم والدم”. ومجادلة من فقد إنسانيته هي مضيعة للوقت والجهد.

– كل إناء ينضح بما فيه: حكمة بليغة ومثل عربي راسخ؛ معناه أن الإنسان لا يخرج من قوله أو فعله إلا ما يختزنه في باطنه. فكما أن الإناء لا يرشح إلا بما مُلئ به، فإن معادن الناس وأخلاقهم تنكشف حتماً في أفعالهم.

ويرتبط هذا المثل بمعانٍ عميقة تشرح أبعاده في حياتنا.

الإنسان مرآة أفكاره، إذ المرء في تصرفاته وأحاديثه، يعبر تلقائياً عما يملأ قلبه وعقله، فالخير يفيض خيراً، والشر لا يُخرج إلا شراً.

ومهما حاول المرء إخفاء حقيقته أو التظاهر بغير طبعه، فإن المواقف تكشف معدنه الأصلي عاجلاً أم آجلاً.

خلاصة القول، إن الرد الأمثل والمواجهة الحقيقية لا تكون بالنزول إلى هذه الساحات الملوثة، بل بتوجيه تلك الطاقة نحو البناء الفكري، وإنتاج المعرفة العلمية الرصينة، وإرساء القواعد القانونية والتأطيرية التي تحصن المجتمع.

المعركة الحقيقية تُحسم من خلال تنوير العقول وتزويد الأجيال القادمة بالحصانة الفكرية والذوقية التي تجعلهم ينبذون هذه الرداءة تلقائياً ويزدرونها.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *