انتخاب المغرب لعضوية المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة يمثل محطة دبلوماسية بالغة الأهمية وتعكس مكانة المملكة داخل المنظومة الأممية
المجلس الاقتصادي والاجتماعي هو أحد الأجهزة الرئيسية الستة للأمم المتحدة. يختص بتنسيق الأعمال الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لوكالات الأمم المتحدة وصناديقها، وهو المنصة المركزية لمتابعة أهداف التنمية المستدامة.
تحظى الترشيحات المغربية عادة بدعم مسبق وتزكية من الاتحاد الإفريقي (كما حدث في مقررات المجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي لتمثيل منطقة شمال إفريقيا للفترة 2027-2029)، مما يجعل انتخابه من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة تتويجاً لتوافق قاري ودولي.
ولا يقتصر الحضور المغربي على المجلس بحد ذاته، بل يمتد إلى لجانه الفرعية (مثل لجنة التنمية الاجتماعية، ولجنة منع الجريمة، ومجلس حقوق الإنسان الذي ترأسه المغرب سابقاً)، مما يمنحه شبكة نفوذ واسعة.
لم يأتِ هذا الانتخاب من فراغ، بل هو نتاج استراتيجية دبلوماسية هادئة واستباقية يقودها الملك محمد السادس، تعتمد على الانخراط الفعلي في القضايا العالمية الكبرى (تغير المناخ، الهجرة، الأمن الغذائي) بدلاً من الاكتفاء بالخطابات.
ويقدم المغرب نفسه ليس فقط كدولة تدافع عن مصالحها الوطنية، بل كمحامٍ عن قضايا القارة الإفريقية ودول الجنوب.
مشاريع كبرى مثل “أنبوب الغاز النيجيري-المغربي” والمبادرة الأطلسية لدول الساحل، تجعل من المغرب فاعلاً اقتصادياً موثوقاً في نظر المجتمع الدولي.
كما تنظر الأمم المتحدة إلى المغرب كواحة استقرار مؤسساتي في منطقة تعج بالاضطرابات. هذا الاستقرار يسمح له بتمرير وتطبيق سياسات تنموية طويلة الأمد.
إن انتخاب المغرب في هذه الهيئة الأممية هو “شهادة مطابقة دولية” لنجاعة مساره التنموي.
المجتمع الدولي يتابع الأوراش المفتوحة في المملكة (النموذج التنموي الجديد 2035، تعميم الحماية الاجتماعية، الانتقال الطاقي نحو الطاقات المتجددة)، وهذا التصويت يعبر عن ثقة أممية في قدرة المغرب على تصدير تجربته ومشاركة ممارساته الفضلى مع دول نامية أخرى.
بعبارة أخرى، المغرب تحول من “مستهلك” للقرارات الدولية إلى “صانع” وموجه لها.
إن التواجد في قلب صناعة القرار الاقتصادي والاجتماعي الأممي يمنح الدبلوماسية المغربية أدوات قوية لإحباط أي محاولات من خصوم الوحدة الترابية لتمرير قرارات أو توصيات معادية عبر الوكالات المتخصصة (مثل تقارير استغلال الثروات الطبيعية).
من جهة، عضوية المجلس تتيح للمغرب التشبيك مع دول أمريكا اللاتينية وآسيا، مبنية على تبادل الدعم والمصالح، مما يعزز الموقف المغربي في الجمعية العامة ومجلس الأمن.
من جهة أخرى، عضوية المغرب تمنحه جلب الاستثمارات والتمويلات عبر مقعد يجعله قريباً من مراكز التمويل التابعة للأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، مما يسهل حصول مشاريعه الاستراتيجية (كالطاقات النظيفة وتحلية المياه) على التمويل والدعم التقني.
من جهة ثالثة، سيستغل موقعه لتعزيز صورته كبوابة اقتصادية وحيدة وأكثر أماناً لإفريقيا، مما يشجع الشركات متعددة الجنسيات وصناديق الاستثمار السيادية على اتخاذ المملكة مقراً لعملياتها الإقليمية.

