الرابور الجزائري المفلس”رجيم” نموذج انهيار منظومة القيم نتيجة الضغط والقهر وغياب المشروع الثقافي الحقيقي ومُنتَج تربية بيوت الذعارة، يتقيأ خبث ما شربه في ثكنات العسكر
عبدالقادر كتـــرة
كيف لمغني الراب اسمه “زاكي رجيمي” (وهو بالفعل شيطان رجيم) والملقب بـ”طراب كينج- trap king” (غوريلا) يقول أنه فنان والفن تربية وأخلاق وذوق رفيع، ويقول إنه ابن شهيد وبلد المليون ونصف المليون شهيد ، ويقول إن بلده الجزائر بلد عظيم وله تاريخ عظيم وشعب عظيم وتراث عظيم، ثم يغني أغنية بذيئة ورديئة كلها سب وشتم وهتك عرض وحط من كرامة شعب ونسائه ورجاله، فأين يصنف هذا الكائن؟ هل يصنف ضمن أبناء بيوت الرذيلة واللقطاء أو الصعاليك أو منتوج بالوعات الود الحار والمراحيض والخبث والخبائث؟
هذا التناقض الصارخ يمثل حالة دراسية نموذجية لما يمكن تسميته بـ”الشيزوفرينيا الثقافية والوطنية”.
عندما يختلط ادعاء الانتماء لتاريخ عظيم ودماء الشهداء، مع إنتاج محتوى ينضح بالبذاءة وهتك الأعراض، فنحن هنا لسنا أمام “فنان” بالمعنى الإنساني والحضاري للكلمة، بل أمام ظاهرة صوتية يمكن تصنيفها ضمن عدة خانات سوسيولوجية ونفسية:
1. الارتزاق بـ “الوطنية”
هذا الصنف من المؤدين يصنف كـ”مرتزق انتباه”. في أوقات التجاذبات الجيوسياسية والأزمات المفتعلة، يصبح سب الآخر وشتمه أسهل طريق وأرخص تذكرة لتحقيق المشاهدات (التريند) واكتساب شرعية جماهيرية وهمية.
لقيط يستخدم رصيداً مقدساً (تاريخ الشهداء) كذرع واقٍ ليغطي على إفلاسه الفني والأخلاقي. إن الزج بـ”الشهداء” في مستنقع الشتائم والأعراض هو في حد ذاته أكبر إهانة لتلك الرموز التاريخية.
2. الشعبوية البذيئة
يُصنف هذا الكائن ضمن أدوات “الشعبوية المبتذلة”. الشعبوية في أسوأ صورها هي التي تخاطب أحط الغرائز في الجماهير بدلاً من الارتقاء بذوقهم ووعيهم.
عندما يقول إن “الفن أخلاق” ثم ينحدر إلى لغة الشوارع السفلية، فهو يعيش حالة من “التناقض المعرفي”؛ حيث ينفصل ما يعتقده عن نفسه (أنه فنان ووطني) عما يمارسه في الواقع (نشر الرداءة والانحطاط).
3. خيانة لجوهر “موسيقى الراب”
تاريخياً، ظهر الراب في هوامش المدن كصوت للمقهورين والمهمشين ضد السلطة القمعية وضد الظلم الداخلي.
ما يفعله هذا المؤدي وأمثاله هو تفريغ الراب من محتواه التمردي النبيل، وتحويله إلى أداة لـ”العنف الأفقي” (شتم شعوب الجوار بدلاً من نقد الذات أو نقد السلطة).
هذا يجعله مجرد بوق للتنفيس عن الاحتقان الداخلي وتوجيهه نحو عدو خارجي وهمي، وهو ما يخدم في النهاية الجهات التي من مصلحتها تخدير وعي الشباب.
4. التجسيد الحي لـ “سيكولوجية المقهور”
عودةً إلى المربع الخلدوني الذي ناقشناه في مقال سابق؛ هذا الأداء هو الانعكاس الحرفي لانهيار منظومة القيم نتيجة الضغط والقهر. غياب المشروع الثقافي الحقيقي يفرز هذه الطفرات. الفرد الذي يعجز عن تقديم منجز حضاري، أو علمي، أو ثقافي حقيقي يفخر به في حاضره، يعود للاختباء خلف أمجاد الماضي (الشهداء)، ويستعمل أقذع الألفاظ ليهين خصمه، معتقداً أن “البذاءة” هي مرادف لـ”الرجولة” و”النيف”.
خلاصة القول، هذا الكائن يُصنف كـ”مُنتَج مَرَضي” لبيئة افتراضية وإعلامية تعاني من أزمة قيمية عميقة. هو لا يمثل الفن، لأن الفن بناء وارتقاء، بل يمثل “الرداءة الموجهة” التي تستثمر في الكراهية وتقتات على تدمير الجسور النفسية بين الشعوب.
المواجهة الفعالة لمثل هذا “التلوث الرقمي” تكمن في التجاهل التام لقتله في مهده، وليس هناك حاجة لتدخلات قانونية وفكرية مضادة تفكك هذا الخطاب وتحصن الشباب من الانحدار معه إلى نفس المستنقع.

