المغرب يفرض واقعاً سيادياً جديداً وحاسماً على صحرائه وينهي أسطورة “المناطق المحررة” والأمم المتحدة تعيد هيكلة وجودها تمهيداً لطي صفحة النزاع المستمر منذ عقود نهائيا

المغرب يفرض واقعاً سيادياً جديداً وحاسماً على صحرائه وينهي أسطورة “المناطق المحررة” والأمم المتحدة تعيد هيكلة وجودها تمهيداً لطي صفحة النزاع المستمر منذ عقود نهائيا

عبدالقادر كتـــرة

استنادا إلى ماخلص إليه اليوتوبر المناضل الصحراوي المغربي الحر علي باريش كابوس عصابو البوليساريو الإرهابية: “تحرك عسكري مفاجئ من الجارة موريتانيا حسب ما هو متداول في مصادر متطابقة ، الجيش الموريتاني منح المنقبين الموريتانيين مهلة زمنية  من أجل إخلاء المنطقة العازلة بشكل عاجل ونهائي، والعودة إلى داخل التراب الموريتاني.

هذا التحرك، وفي هذا التوقيت بالذات، يوحي حسب محللين بأن نواكشوط تستشعر احتمال إقدام المغرب على تحرك عسكري وشيك في الصحراء لتأمين المنطقة العازلة من تهديدات البوليساريو.

المنطقة العازلة تحولت لثغرة أمنية تستعمل للتهريب والقصف. ويُحتمل أن القيادة المغربية قررت سد هذا الباب نهائياً. موريتانيا فهمت الرسالة وقررت حماية مواطنيها أولاً.

القاعدة العسكرية معروفة: إخلاء المدنيين هو الخطوة الأولى قبل أي عملية لتأمين منطقة.

إضافة إلى تسريح 24 موظفا من المينورسو”

دأبت السلطات الموريتانية والجيش الموريتاني مؤخراً على إصدار تحذيرات صارمة، ومُهل زمنية عاجلة (كان آخرها في مايو 2026) لإجلاء المنقبين عن الذهب من المنطقة العازلة المحاذية للحدود.

هذا التحرك جاء بعد تكرار حوادث مقتل منقبين موريتانيين جراء اقترابهم من الجدار الرملي الدفاعي أو دخولهم المنطقة العازلة، حيث بات الجيش المغربي يستخدم الطائرات المسيرة (الدرون) بصرامة شديدة لتحييد أي تحرك مشبوه (سواء كان لعناصر البوليساريو أو مهربين).

موريتانيا أدركت أن أي تواجد مدني هناك يعتبر بمثابة “دروع بشرية” مجانية، ولذلك تتخذ إجراءات عسكرية استباقية صارمة لحماية مواطنيها.

من جهة أخرى، تشير أحدث التقارير (في الأسبوع الأول من مايو 2026) إلى أن بعثة الأمم المتحدة في الصحراء “المينورسو” بدأت فعلياً في تقليص عدد موظفيها، حيث تم إنهاء عقود حوالي 20 إلى 24 موظفاً (بينهم طواقم طبية ومسؤولون إداريون).

هذا التسريح ليس إجراءً إدارياً عابراً، بل يتزامن مع “المراجعة الاستراتيجية” التي يجريها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (وفق القرار 2797) لمستقبل وجدوى البعثة، وسط ضغوط أمريكية وفرنسية متزايدة تعتبر أن البعثة بشكلها الحالي باتت “مكلفة وغير فعالة”، وأن دورها الكلاسيكي قد انتهى فعلياً.

إخلاء المنطقة العازلة وتقليص حجم المينورسو في نفس التوقيت يهدف إلى خنق “الثغرة الأمنية” نهائياً، إذ كانت المنطقة العازلة (التي تطلق عليها البوليساريو “المناطق المحررة”) تشكل دائماً صداعاً أمنياً للمغرب، حيث تُستغل للتسلل، التهريب، وإطلاق المقذوفات. التحركات الحالية توحي بأن القيادة المغربية ربما اتخذت قراراً استراتيجياً بـ “تصفير” هذه المنطقة عسكرياً، وإلغاء مفهوم “المنطقة العازلة” شرق الجدار الدفاعي لتأمين العمق الاستراتيجي للمملكة بشكل كامل.

من جهتها، تتعامل نواكشوط بواقعية شديدة. هي تدرك أن ميزان القوى حُسم، وأن المغرب لا يتساهل أمنياً في تلك المنطقة.

الخطوة الموريتانية بإخلاء المدنيين هي تطبيق حرفي للقواعد العسكرية لتجنب أي احتكاك أو أضرار جانبية قد تعكر صفو العلاقات الدبلوماسية والتجارية الممتازة بين الرباط ونواكشوط، وتفويت الفرصة على محاولات التشويش.

من تداعيات الوضع الجديد على مستقبل المنطقة، هذه المعطيات المتزامنة سترسم ملامح مرحلة جديدة كلياً في المنطقة:

– نهاية الوضع القائم : تقليص بعثة المينورسو، مع التلويح بتقييم مهامها المستقبلية، يعني أن الأمم المتحدة تمهد الطريق لإنهاء حقبة “الاستفتاء” بشكل لا رجعة فيه، والانتقال إلى مرحلة فرض الحل السياسي الواقعي الوحيد وهو “مبادرة الحكم الذاتي” تحت السيادة المغربية.

– خنق جبهة البوليساريو ميدانياً ودبلوماسياً: مع إغلاق المنطقة العازلة بالكامل وتشديد الخناق العسكري عبر الطائرات المسيرة والمراقبة الدقيقة، تفقد الجبهة الانفصالية أي قدرة على المناورة على الأرض، مما يعري دعايتها العسكرية ويضعها في عزلة تامة داخل مخيمات تندوف.

– تأمين المحور الاقتصادي (المغرب – موريتانيا – إفريقيا): تأمين المنطقة بالكامل يصب في مصلحة تأمين معبر الكركرات بشكل أعمق، وحماية الطريق التجاري الحيوي الذي يربط المغرب بموريتانيا وغرب إفريقيا، وهو ما يتماشى مع المبادرات المغربية الاستراتيجية الأخيرة (مثل مبادرة الولوج الأطلسي لدول الساحل).

خلاصة القول، نحن أمام تغيير جذري في “قواعد الاشتباك”؛ المغرب يفرض واقعاً سيادياً جديداً وحاسماً على الأرض، وموريتانيا تتكيف بحكمة لحماية حدودها ومواطنيها، والأمم المتحدة تعيد هيكلة وجودها تمهيداً لطي صفحة هذا النزاع المستمر منذ عقود.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *