البابا يزور “تاريخ الأرض” ومثوى قديس عظيم يُعتبر الأب الروحي لرهبنته، وهو لا يزور الجزائر تقديراً لـ “إنجازات” نظامها السياسي
عبدالقادر كتـــرة
أعلن الفاتيكان، الأربعاء 25 فبراير2026، سلسلة زيارات خارجية يعتزم البابا “ليون الرابع عشر” القيام بها في الأشهر المقبلة، بينها جولة أفريقية تشمل 4 دول، منها الجزائر في أول زيارة بابوية في تاريخ هذا البلد.
ويزور البابا العاصمة الجزائرية وعنابة شرقي البلاد بين 13 و15 أبريل، ثم ينتقل إلى الكاميرون حيث يزور ياوندي وبامندا ودوالا، قبل أن يتوجه يوم 18 من الشهر ذاته إلى أنغولا، حيث يزور العاصمة لواندا وموكسيما وسوريمو، وينهي جولته الأفريقية في غينيا الاستوائية حيث يزور مالابو ومونغومو وباتا بين 21 و23 ، وفق بيان صادر عن الفاتيكان.
لفهم دوافع هذه الزيارة (المقررة بين 13 و15 أبريل 2026) وحجم الاستنفار الإعلامي والسياسي المرافق لها، يجب تفكيك الحدث والفصل تماماً بين الدوافع الروحية والشخصية للبابا، وبين الأجندة السياسية للنظام الجزائري الذي يحاول احتكارها وتوظيفها.
أولاً: الدوافع الحقيقية (الزيارة لقديس، لا لنظام)
السبب الجوهري الذي جعل البابا “ليون الرابع عشر” (روبرت بريفوست) يضع الجزائر وتحديداً مدينة “عنابة” على جدول أعماله، لا علاقة له بالنظام السياسي أو المكانة الجيوسياسية الحالية للبلد، بل يرتبط بشكل حصري وعميق بالهوية الشخصية والدينية للبابا:
البابا “الأوغسطيني”: البابا ليون الرابع عشر (الذي انتُخب في مايو 2025) هو أول بابا في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية ينتمي إلى “الرهبنة الأوغسطينية”، بل وكان رئيساً عاماً لهذه الرهبنة لسنوات.
عنابة (هيبون تاريخياً): هذه المدينة هي موطن القديس أوغسطينوس (أحد أهم فلاسفة وآباء الكنيسة الغربية على الإطلاق)، حيث عاش وكان أسقفاً لها حتى وفاته.
حج روحي وشخصي: الزيارة بالنسبة للبابا ليون الرابع عشر هي “حج روحي” بحت لجذور رهبنته ومصدر إلهامه. لتأكيد ذلك، يكفي أن نعرف أن الشعار البابوي الذي اتخذه لنفسه (In illo Uno unum) مقتبس مباشرة من كتابات القديس أوغسطين، وشعار النبالة الخاص به يحمل رموزاً أوغسطينية واضحة.
إذن، البابا يزور “تاريخ الأرض” ومثوى قديس عظيم يُعتبر الأب الروحي لرهبنته، وهو لا يزور الجزائر تقديراً لـ “إنجازات” نظامها السياسي.
ثانياً: لماذا تقيم الجزائر الدنيا ولا تقعدها؟
كما أشرتَ بوضوح، الزيارة هي مجرد محطة ضمن جولة إفريقية تشمل دولاً أخرى (مثل غينيا الاستوائية)، لكن الآلة الإعلامية والدبلوماسية الجزائرية تحاول تسويقها كـ “معجزة” وانتصار خارق للعادة لعدة اعتبارات براغماتية بحتة:
محاولة كسر العزلة الدبلوماسية: كما ناقشنا سابقاً في سياق ملف الصحراء والتحولات الإقليمية، يدرك صانع القرار في الجزائر حجم العزلة الدبلوماسية والتراجع في دائرة التأثير الإفريقي والدولي. زيارة شخصية بوزن بابا الفاتيكان تُعتبر “طوق نجاة” وفرصة ذهبية لالتقاط الصور ومحاولة الإيحاء للداخل والخارج بأن البلاد لا تزال وجهة دولية مركزية.
البحث عن “تزكية” خارجية: الأنظمة التي تواجه أزمات في تسويق إنجازاتها أو تفتقر إلى دينامية سياسية داخلية، غالباً ما تتشبث بمثل هذه الأحداث لاستمداد شرعية أو تزكية أخلاقية من شخصية عالمية محايدة، لتصوير الزيارة وكأنها شهادة دولية باستقرار النظام وقوته.
التغطية على الإخفاقات (سياسة الإلهاء): التهليل المبالغ فيه وتجنيد مؤسسات الدولة للترويج للزيارة يخدم سياسة توجيه الرأي العام. التركيز المكثف على “الحدث التاريخي” يخلق ضجيجاً يغطي على الملفات الشائكة والأزمات المتراكمة، سواء في الاقتصاد أو في السياسة الخارجية مع دول الجوار.
خلاصة القول، نحن أمام مشهد يتناقض فيه الهدفان؛ الفاتيكان ينظر إلى عنابة كقطعة من التاريخ المسيحي المبكر تستوجب الزيارة، بينما ينظر قصر المرادية إلى البابا كفرصة علاقات عامة (PR) مجانية تُفكّ العزلة عن نظام يبحث عن أي انتصار دبلوماسي، ولو كان وهمياً.

